الثورة… بعيونهم!

شهرين.

60 يومًا.

1440 ساعةٍ وأكثر من 86000 دقيقة…

منذ سنواتٍ عديدة، لم يمر وقتٌ طويلٌ كهذا من دون أن أستلَّ قلمي وأكتب، بخاصَّةٍ إذا كانت المناسبة جاذبة للكلمات الرنَّانة والقصائد الفتَّانة. لقد فضَّلتُ، ومن دون التفكير مرَّتين، أن تكون الساحة كلمتي ومساحة تعبيري، وقرقعة الطناجر قصيدتي المنظومة على وزن الأحلام بغدٍ أفضل لي ولأبناء جيلي والأجيال القادمة. والحقيقةُ أيضًا أنَّني لم أتمكَّن قبل اليوم من تركيب جملةٍ سليمةٍ صحيحة للتعبير عمَّا اختلج ولا يزال يختلجُ قلبي من مشاعر وأحاسيس ثوريَّة، نبضها الشعب، عنوانها الحريَّة… وشعارها: لبنان، ولبنان وحده!

أمَّا الليلة، فلن أعظكم بالوطنيَّة، أنتم الذين لقَّنتموها للعالم في الأيام الستِّين الأخيرة، ولن أنتحب على أطلال سلطةٍ بائسة عفنة تضع جيشها في وجه أبنائها في مشاهد عُنفيَّة رجعيَّة غير مسبوقة، لكنِّني سأتحدَّثُ عن قصصٍ عشتُها خلال الانتفاضة، وتركت في قلبي بصمةً… رسمُها الأرزة اللبنانيَّة الشامخة والخالدة!

القصَّة الأولى عنوانُها رفيقتي إليسَّا، بشعرها الأصهب الناري الثائر. إليسَّا التي حفظتها زوايا ساحتَي رياض الصلح والشهداء بعدما سكنتهما وسكنتاها. إليسَّا المتمرِّدة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، الناطقة بالحقّ، غير الآبهة بقيودٍ نسجها المجتمع من عقده الدفينة. نعم، إليسَّا قصَّةٌ بحدِّ ذاتها. تسأل: نزلتي اليوم وما قلتيلي؟ وما أوقحني أنا التي تدوسُ على أرضٍ روتها إليسَّا ورفاقها ثوَّار العاصمة بيروت من عرقهم، ودمهم (نعم دمهم!)، وصيحاتهم من دون أن أمرَّ وألقي التحيَّتة عليها!

72579871_2492385220881273_6402212632354357248_o

 

القصَّة الثانية عنوانُها بشير، بكوفيَّته الغاضبة، المنتفضة على ظلمٍ اجتماعيّ نهش الشعب، وأرداه قتيلا. منذ اليوم الأوَّل، لم يكلّ بشير ولم يملّ. يشارك في المظاهرات، في المحاضرات، في التحرُّكات الشعبيَّة… ويوثِّق الضرب الوحشيّ الذي يتعرَّض له الثوَّار على يد القوى الأمنيَّة. “جريمته” هذه دفع ثمنها غاليًا. ضُرِبَ بشير بشكلٍ وحشيّ. نزف. زادوا ضربهم. نزف أكثر. لم يرحموا ولم يشفقوا، وسألوه: مين معلَّمك ولا؟ وهو ينزف… وهم يضربون! اعتُقل بشير مع رفاقه الأبطال، ثمَّ أطلق سراحهم في اليوم التالي. هذه هي سخرية الأقدار: يتفسَّحون في شوارع باريس بجيوبهم الملآنة، وخيرة شبابنا يضربون بسبب شريط فيديو…

61289147_2456496341027531_5268190950944931840_o

القصَّة الثالثة عنوانُها ماريَّا، بشجاعتها الفتَّاكة ومقاومتها السلميَّة الرهيبة. ماريَّا التي لم تهب أن تقف مع الشبَّان ليلًا لتمنع السيَّارات من المرور فالطريق “مسكَّر يا حلو”. ماريَّا التي لم تنم سوى بضعِ ساعاتٍ خلال أكثر من 30 يومًا، لأنَّها كانت تخافُ على الثورة كالأمّ الخائفة على طفلها… كلُّ مرَّةٍ أتحدَّث فيها معها أشعر بعمق الخوف من المستقبل الذي يعتريها، وكأنَّها تُجسِّدُ بشخصها جيلًا كاملًا ليس لديه ما يخسره، وأيقن أنَّ هذه الثورة هي فرصته الأخيرة.

75369308_3221178217954996_3002340229060231168_o

القصَّة الرابعة عنوانُها مروان، بحنكته السياسيَّة وديبلوماسيَّته الرصينة. مروان الذي أتقن فنّ الدمج بين الانتفاضة الشعبيَّة والانتفاضة السياسيَّة، فما بخل بأن يكون الجسر بين الشباب المنتفض في الساحات، والإعلام المحليّ والأجنبي، ومختلف المنظَّمات غير الحكوميَّة. مروان الذي كان همُّه صياغة المطالب بطريقةٍ عقلانيَّة لكي لا تضيِّع الانتفاضة بوصلتها، فتضيع معها الآمال بوطنٍ يشبه تطلُّعاتنا. وكم من مرَّةٍ وقعنا فيها في مآزق، فكان رقمه الرقم الأوَّل على هواتفنا!

WhatsApp Image 2019-12-15 at 21.01.35

 

 

القصَّة الخامسة عنوانُها عبير، بنعومتها الصارخة وشبابِها المتألِّم. عبير هي خيرُ ممثِّلٍ عن عاصمة الشمال طرابلس التي شكَّلت، كما عبير، مفاجأةً من العيار الثقيل. وجعُ عبير يفيض من كلماتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وحماسُتها الشديدة درسٌ لنا جميعًا، نحنُ الذين نستسلم أمام كلِّ صعوبةٍ تواجهنا في هذه الثورة. “بدنا غير مناطق تدعم ثورتنا بِطرابلس”، علَّقت على أحد مناشيري… كبيرةٌ هي هذه الشابَّة اليافعة العنيدة، والمنتفضة على الفقر والإجحاف واللامبالاة!

70306922_3050441994999867_248985636470521856_n

 

القصَّة السادسة عنوانُها شربل، برجاحة فكره وكلماته البنَّاءة. منذ 17 تشرين الأوَّل، وما قبله، عمد شربل على اختيار كلماته بتأنٍّ واعٍ، فما نطق إلَّا بالمحبَّة، وأثبتَ للجميع أنَّ الانتفاضة والمحبَّة صنوان لا يفترقان. أما قيل يومًا: “حبُّ الوطن من حبِّ الله”؟ قلَّةٌ قليلة عرفت كيف تطبِّق هذه المقولة في حياتها اليوميَّة، وقلَّةٌ امتنعت عن السباب والشتائم والإهانة. وإن سألتموني، فسأجيب وبكلِّ راحة ضمير أنَّ شربل هو عميد هذه القلَّة من الناس.

54255012_10161611173870241_4815252384332644352_n

 

قصصٌ ستَّة عن ستَّة أشخاص علَّموا فيَّ وفي ثورتنا، فكانوا الخميرة حيثما حلُّوا، وأثبتوا أنَّ لكلٍّ طريقته في الانتفاضة، ولكن هذا الاختلاف لا يفسدُ للودِّ… انتفاضة!

 

 

 

بين الكتائب والقوَّات: خلافٌ على جنسِ الملائكة!

تكادُ لا تمرُّ مناسبةٌ من دون تصريح ناريٍّ من هنا أو هناك، لشخصيَّة كتائبيَّة قرَّرت أن تصوِّبَ سهامها على حزب القوَّات الُّلبنانيَّة. بدايةً مع روي كيروز و”نسب الشهداء” وصولًا إلى نزار نجاريان ومن أسَّس حزب القوَّات الُّلبنانيَّة والحبلُ على الجرَّار. في المقلبِ القوَّاتيّ الآخر، الجوُّ نفسه. “نطرة على الكوع” عند كلِّ سقطةٍ كتائبيَّة، كان آخرها النقاش البيزنطيّ حول تحالف حزب الكتائب الُّلبنانيَّة مع الحزب السُّوريّ القوميّ الاجتماعيّ في انتخابات إحدى النقابات.

ما الَّذي حصل؟ وكيف استشرت هذه العداوة بين جمهورَي حزبين ولد أحدهما الآخر؟ ما الَّذي طرأ فبات بشير الجميِّل، رئيس جمهوريَّة بلادي ورأس حربة المقاومين، محسوبًا على ذلك أو ذاك؟ ماذا جرى لتطلق التصاريح “الشرخيَّة” من على منابر الOTV؟ واللهِ إنَّ عظام البشير ترتجفُ في نعشه كلَّما سمع ترَّهاتكم!

لا يهمُّني إن تأسَّست القوَّات الُّلبنانيَّة كحزبٍ عام 1976 أو 1982 أو 1994. ما يهُّمني كباحثة سياسيَّة متطلِّعة إلى مستقبلٍ أفضل لبلادي، أنَّ حزب القوَّات الُّلبنانيَّة موجودٌ اليوم، وليس بإمكان أحدٍ أن ينكر وجوده وحجم قاعدته الشعبيَّة الَّتي زأرت زأرةً مدويَّةً في الانتخابات الأخيرة. ومن المخجل في هذا الصَّدد أن نبنيَ في القرن الحادي والعشرين تحليلاتنا على كلمة “لو”، متناسين أنَّ الواقعيَّة والبرغماتيَّة السياسيَّة هما الأهمّ!

لا يهمُّني إن كان الشَّيخ بشير الجميِّل أراد من القوَّات الُّلبنانيَّة ذراعًا عسكريَّةً لتوحيد البندقيَّة أو حزبًا سياسيًّا لطموحاته الشخصيَّة. لكلٍّ وجهة نظره وتحليلاته ومراجعه. ما يهُّمني هو أنَّ “الباش” رمزٌ لكثيرين من شباب القوَّات الُّلبنانيَّة والكتائب الُّلبنانيَّة وحتَّى التيَّار الوطنيّ الحرّ. البشير ليس حكرًا على حزبٍ أو طائفةٍ أو جماعة! البشير والمقاومة صنوان لا يفترقان… فبالله عليكم لا تأسروه في علبٍ بنيتموها على قياسكم لمآرب لا أدري ما هي!

لا يهمنُّي إن كنتم على خلافٍ حول النَّهج السياسيّ المتبنَّى، فمنكم من في الحكومة ومنكم من في المعارضة. ما يهُّمني هو أقلُّ الإيمان في الأخلاقيَّات السياسيَّة، فلا يهاجَمَ قدَّاسٌ إلهيٌّ هدفه الأوحد الصلاة عن روح من سقط ليبقى أهلي فأبقى أنا ويبقى أولادي!

جلَّ ما أعرفه يا رفاقي في كِلَي الحزبَين، أنَّكم وبسمومكم المستشرية على وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، في صدد تشويه ذاكرةٍ تعدُّ الأجمل في تاريخ المقاومة الُّلبنانيَّة، وفي صددِ إرضاءِ طرفٍ ثالث يقف جانبًا، مصفِّقًا لكلِّ جدالٍ غير حضاريٍّ تخوضونه، وعلى محيَّاه ابتسامة الخبيث المنتصر!

رأفةً بذكرى المقاومة الُّلبنانيَّة المسيحيَّة الَّتي أعشق،

رأفةً بسبط مارون الَّذي من رحمه ولدنا،

رأفةً بدماءِ الشهداء العابقة،

لا تقتلوا البشير مرَّتين…

أرجوكم… إخرسوا!

بين حلَّة العرس وغصَّة الكفن: صدرت النَّهار!

صفحاتٌ ثمانيةٌ بيضاء يضجُّ صمتها بالعِبر والآهات…

صفحاتٌ ثمانيةٌ بيضاء تأرجح بياضها بين حلَّة عرس الثَّورة الحالمة، وبين غصَّة كفنٍ يغمرُ جسدَ وطنٍ يرتعش من ألمه، ويلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ناظرَي طبقة سياسيَّة نخرها سوس الفساد والعنجهيَّة.

صفحاتٌ ثمانيةٌ بيضاء: أنقذوا وطني أو أطلقوا رصاصة الرَّحمة عليه ودعونا نموت… أوليست حياتنا فيه استشهادًا يوميًّا؟

في خطوة لافتة وجريئة، صدرت اليوم صحيفة “النَّهار” الُّلبنانيَّة يتيمة الكلمات، وكأنَّ هذه الأخيرة قرَّرت أن تضرب مع جملة المضربين في البلد. وكيف يصيحُ الدِّيك، والَّليل لم يطرده فجر الحريَّة بعد؟ صفحاتٌ بيضاء، عصيَّة على الانكسار، تتوِّجها صورة سيِّد الكلمة وحارسها من عليائه، الشَّهيد جبران التويني، لم تقبل أن تنطق اليوم سوى بقسمه:

نقسمُ بالله العظيم،

مسلمين، ومسيحيِّين،

أن نبقى موحَّدين،

إلى أبد الآبدين،

دفاعًا عن لبنان العظيم…

ما لا شكَّ فيه، أنَّ هذه الخطوة المفاجئة قد شكَّلتِ اليوم صفعةً قاسيةً لشعبٍ أُدخِل قسرًا في غيبوبةٍ مزمنة، فما عاد يشعر بجدوى المساءلة والمحاسبة. والأتعس أنَّه تخدَّر لدرجةٍ ألزمته المنزل عوضًا عن النزول إلى الشارع للمطالبة بحقوق انتُهكت جهارًا، وبدولةٍ فضُّوا غشاء بكارتها عنوةً، وراحوا يتقاسمون دماءها… والمؤكَّد أيضًا، وبكلِّ أسف، أنَّ السياسيين بأجمعهم، وإن استنكروا وتضامنوا، سيتناسون ما حصل وسيعودون بعد ساعات قليلات إلى تقاسم قالب الجبنة العفنة الَّذي قدَّمناه لهم على طبقٍ من فضَّة في الانتخابات النيابيَّة الأخيرة.

لقد بتُّ أخافُ حقًّا من الآتي…

لقد بتُّ أخاف على وجودي، على وطني المنهك، على أرزتي الصَّامتة، على قضيَّتي التعبة…

قبل أن يتحوَّل بياض هذه الصفحات إلى أوراقٍ للنعوة… إرحمونا وارحموا لبنان!

المارونيَّة السياسيَّة: بطلة الجدالات العقيمة

هي تغريدة تويتريَّة بسيطة، كتبتها الإعلاميَّة ديما صادق، كانت كافية لإشعال جبهة “طويلة عريضة” حول أحد أعقد المصطلحات وأكثرها حساسيَّة، ألا وهو المارونيَّة السياسيَّة. وإذ يطيبُ لأيِّ باحثٍ سياسيٍّ أن يسترسل في قراءة التَّعليقات والردود، لا بدَّ لهُ، في مكانٍ ما، أن يتوقَّف عند ظاهرتيَن خطيرتَين، الأولى وهي الجهل السياسيّ، والثانيَّة المتمثِّلة بالتعصُّب الطائفيّ الأعمى. فالأغلبيَّة السَّاحقة من المواطنين لا تفهم حقًّا ما هي المارونيَّة السياسيَّة، لكنَّها تغوص عميقًا في الدِّفاع عنها لاحتوائها فقط على كلمة “مارونيَّة”. وما أدراك عزيزي القارئ بالانتماء الطائفيّ الَّذي يعلو على الانتماء الوطنيّ في لبنان؟

في هذا السياق، سنحت لي الفرصة خلال كتابة أطروحة الماستر حول الموارنة والفلسطينيِّين في المملكة المتَّحدة، أن أعرِّج على بعضٍ ممَّا قيل في المارونيَّة السياسيَّة، وعلى أهمِّ الكتب الَّتي فنَّدتها وشرحتها بدقَّةٍ وموضوعيَّة. لذلك، سأعرضُ في ما يلي شرحًا علميًّا لهذا المفهوم السياسيّ الُّلبنانيّ، مرفقًا بمختلف وجهات النَّظر الَّتي بُنيت حوله.

أوَّلًا، وُلد مفهوم المارونيَّة السياسيَّة في خمسينات وستِّينات القرن الماضي على يد المعلِّم كمال جنبلاط، الَّذي كان رأس الحربة في الخطِّ اليساريّ الدَّاعي إلى مزيدٍ من العدالة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، للمسلمين بشكلٍ خاصّ. ووُجِدَ المصطلح أساسًا ليعبِّر عن سيطرة الموارنة على الحكم في لبنان، من خلال حيازتهم على امتيازات وحقوق حُرِم منها المسلمون، تحت حجَّة الحفاظ على حياديَّة الدَّولة الُّلبنانيَّة، خصوصًا في المسائل العربيَّة الشائكة[1]. في الوقت عينه، كان القادة الموارنة ينسجون علاقات، أقلّ ما يُقال عنها حميمة، مع دول الغرب، وفي طليعتها فرنسا. وما زاد الطِّين بلَّة، هو زيادة عدد المسلمين ديمغرافيًّا، مع الإبقاء على نسبة تمثيل سياسيَّة أعلى للمسيحيين بنسبة 6 إلى 5، أي مقابل كلّ 6 نوَّاب مسيحيين، ينتخب 5 نوَّاب مسلمين، والأمر سيَّان في ما يتعلَّق بوظائف الدَّولة. ووفقًا للمفكِّر منح الصلح، وجدت المارونيَّة السياسيَّة علَّة وجودها في الفكرة القائلة بأن المارونيّ وحده هو من أوجد دولة لبنان، وبالتالي لهُ الحقّ في الحصول على ضمانات وامتيازات فيها[2]. والمؤكَّد في هذا السياق، أنَّ العصب الطائفيّ الَّذي كان يحرِّك المارونيَّة السياسيَّة، حرَّك أيضًا الطوائف الأخرى، الَّتي، وإن في السرّ، كانت تهدف أيضًا إلى بسط سيطرتها على الواقع السياسيّ الُّلبنانيّ[3].

من ناحيةٍ أخرى، انطلقت أصواتٌ أكثر حديَّةً في انتقاد المارونيَّة السياسيَّة، الَّتي انفجرت حممها في أحداث عام 1958، في عهد الرَّئيس كميل شمعون (ولا ننسى هنا رفض البطريرك بولس المعوشي لتصرُّفات شمعون ونهجه الَّذي صُبغ بالمارونيَّة السياسيَّة، حتَّى أطلق مناصرو شمعون على المعوشي، لقب: محمَّد  المعوشي). فبالنسبة إلى إيلين هاغوبيان، تشبه المارونيَّة السياسيَّة إلى حدٍّ كبير الصهيونيَّة، إذ تنبع العقيدتان من السعيّ الدَّائم إلى سيطرة طائفة واحدة فقط على الحكم[4]. من جهته، وصف رياض الريِّس متبنِّي هذا النهج “بالمهرطقين السياسييِّن” الَّذين يزعمون بأنَّ العروبة تريد التهام لبنان وتعريبه[5].

مقابل هذه الانتقادات الَّلاذعة، يعتبر المنتمون إلى ما يُعرف “باليمين المسيحيّ”، بأنَّ المارونيَّة السياسيَّة تعني في جوهرها القوميَّة الُّلبنانيَّة، والعمل الدؤوب في سبيل الحفاظ على خصوصيَّة لبنان وكينونته. ولدعم حجَّتهم هذه، يذكرون كبار المفكِّرين كميشال شيحا وكمال يوسف الحاج الَّذي أكَّد على أنَّ الشعور القوميّ لا يتبلور إلَّا عندما يترافق ببناء دولة حقيقية، وذلك للردّ على ما طاول الموارنة من انتقادات تدور حول خلقهم تاريخًا لبنانيًّا من العدم لتمييز نفسهم عن الجوار العربيّ[6]. في هذا السياق عينه، يشير سليمان تقي الدِّين إلى أنَّ العديد من المسلمين كانوا من داعمي المارونيَّة السياسيَّة، نظرًا إلى الإصلاحات الَّتي خلقتها في الدَّولة وإلى الحيِّز الكبير الَّذي أعطته للمسلمين، بعدما علم الموارنة بأنَّهم غير قاديرن على العيش لوحدهم، منعزلين عن جارهم المسلم[7].

WhatsApp Image 2018-10-08 at 11.54.51
الردّ التوضيحيّ لديما صادق

 في الخلاصة، يصحُّ القول بأنَّ المارونيَّة السياسيَّة ليست أسوأ ما مرَّ على لبنان نظرًا للتقدُّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ الَّذي أنتجته. لكنَّ أخطاءها، برأيي الشخصيّ، أنا المارونيَّة “اليمينيَّة المسيحيَّة”، فاقت إيجابيَّتها، وأشعلت فتيل أوَّل حربٍ أهليَّة لبنانيَّة. إذًا، هي سيِّئة، لكنَّها ليست الأسوأ، تمامًا كما صرَّحت ديما. بناءً عليه، أدعو جميع الُّلبنانيين، قبل الوقوع في فخّ شدّ العصب الطائفي، أن يقرؤوا ويفهموا ويضعوا عواطفهم جانبًا… علَّنا نقدرُ، في يومٍ من الأيَّام، على بناءِ بلدٍ يشبهنا!

المراجع

[1] Sirriyeh, H. (1998) Triumph or compromise: The decline of political Maronitism in Lebanon after the civil war. Civil Wars 1 (4), 56-68

[2] جريدة السَّفير (1978)، المارونيَّة السياسيَّة. بيروت. مركز السَّفير للمعلومات

[3] المرجع نفسه

[4] Hagopian, E. C. (1989) Maronite Hegemony to Maronite Militancy: The Creation and Disintegration of Lebanon. Third World Quarterly 11 (4), 101-117.

[5] رياض الريِّس (1991) المسيحيُّون والعروبة. لندن. رياض الريِّس للكتب والنشر

[6] كرم الحلو (2014) التاريخ ينصف الفيلسفوف كمال يوسف الحاج. صحيفة الحياة.

[7] سليمان تقي الدِّين (2014) الاجتماع السياسي اللبناني أمام خيارات حاسمة. مجلَّة بدايات

بيني وبين وطني… وعهد كمّ الأفواه!

منذ فترةٍ وأنا أحلمُ بكتابة هذا المقال، لكنَّ الخوف من دخول السجن بتهمة خطِّ الرَّصاص عن الرَّصاص السياسيّ الطائش، كان يربكني. فمع بزوغ فجر جديد، يدلهمُّ أفق الحريَّة في معقل الحريَّة لبنان. وإذ قرَّرتُ أن أكسرَ حاجز الأرق هذا اليوم، جئتُ لأقولَ أنَّني، وسواي من الأحرار، لن أقبل بأن يَسرُقَ منِّي هذا أو ذاك، مهما علا شأنه، حقِّي في التَّعبير والكتابة والانتقاد، بلذاعةٍ إذا تطلَّب الأمر، لأنَّني أنا، هذه المواطنة الحقيرة، هي الَّتي أعلت شأنك سيِّدي السياسيّ من أيِّ طرفٍ أو طائفةٍ كنت.

تركتُ بلدي لبنان في شهر أيلول، كطيرٍ مهاجر يبحث عن مكانٍ في الَّلاوجود، ورحتُ أحلِّق في سماء بلادٍ بعيدة علَّمتني معنى الحريَّة الحقيقيّ. فكنتُ أدخلُ الصفَّ من دون أن أحمل معي ثقل إسمي وديني وطائفتي وانتمائي السياسيّ. جلَّ ما كنتُ أحمل، قلمي… لأحلِّل وأناقش وأبدي رأيي بتشجيعٍ من أساتذتي، حتَّى لو طاول انتقادي حزبهم أو دينهم أو في أقصى الحالات رأيهم. ففي بلاد الكوكب الَّذي أعيش عليه حاليًا، تُسمعُ الآراء ولا تُخنق، يُحترم الفردُ ولا يُرجم، يترجمُ الانتقاد إلى إصلاحات ولا يزجُّ صاحبه خلف قضبان العار والرجعيَّة. هذا في الكوكب الَّذي أعيش أنا عليه… أمَّا على كوكب لبنان، فالوضع مختلف.

سياسيُّو وطني مقدَّسون، لا يمكن المساس بهم لحججٍ لا أفهمها. فالسياسيُّ نفسه يكون مع حريَّة الفرد إذا كان هذا الأخير يهاجم الخصم السياسيّ، ويكون مع زجِّه في السجن إن تطاول عليه وعلى حلفائه!

الحريَّة ليست انتقائيَّة وليست مائدة مأكولات تنتقي منها ما يناسب ذوقك الرَّفيع. الحريَّة ‘أخد وعطا’. فإذا من حقِّك أن تقول ‘بلطجي’ و’صرمايتي بتسوى فلان’ و’تفو’ وغيرها من التعابير السياسيَّة الشجيَّة الأنغام، عليك في المقابل أن تتقبَّل كلّ ما يُقال عنك رغم قساوته. ثمَّ، إنَّ الشأن العام معركةٌ ضروس، لا يسلم فيها السياسيّ من التهجُّم الشخصيّ، خصوصًا في وطنٍ كلبنان، يغمِّس فيه الفردُ الحساسيات السياسيَّة والطائفيَّة مع كلِّ لقمة خبز تدخل فاه. وأوليست هذه الحساسيَّات وليدة خطاباتكم جميعًا ومن دون استثناء؟ أليست هي عصارة استراتيجياتكم لشدِّ العصب حينًا وإرخائه أحيانًا أخرى؟

كفاكم إذًا استهزاءً فينا. كفاكم تمنيننا بأمور هي أقلُّ ما يمكن أن تمنحونا إيَّاه في وقتٍ تغمرنا فيه النفايات وتشحُ فيه المياه والكهرباء.

كفاكم إغتصابًا لحريَّاتنا. كفاكم احتكارًا لحقوقنا في وقتٍ تحتكرون فيه شواطئنا، وكسَّاراتكم تدمِّر ما تبقى من جبالنا.

كفاكم خبثًا ومكرًا وعنجهيَّة. كفاكم تأليهًا لأنفسكم في وقتٍ يجب أن تألِّهوا ربَّكم الَّذي نسيتموه، وشعبكم الَّذي دستم عليه.

لبناني سيبقى قبلة للحريَّة. ومن أراد غير ذلك، فليرحل!

أدفنونا أحياء إن شئتم!

من آمن بي وإن مات فسيحيا،

إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون،

إسم الوالد: حقوق الإنسان

 إسم الوالدة: شرعة

 تاريخ الولادة: منذ بداية الخلق

بمزيدٍ من الأسى ننعي إليكم، المأسوف على شبابها حريَّة التعبير والإعلام بعد صراعٍ طويل مع مرض التخلُّف والتأليه. ستجري مراسم الدَّفن في لبنان على مدى عقودٍ وسنين طوال.

لكم من بعدها طول البقاء ونرجو إبدال التعليقات الممتعضة بتعديلات قانونيَّة طارئة!

اعتقدتُ لوهلةٍ أنَّ ما قرأته على صفحات مواقع التواصل الاجتماعيّ حول طلب الادِّعاء على المقدِّم الكوميدي هشام حدَّاد، نكتة أو مزحة ثقيلة. ثمَّ، تنقَّلتُ بين الصحف، أقرأ بين السطور عسايَ أجد تبريرًا ما، حجَّةً لا تهين ذكائي المتواضع… فما وجدت! قلتُ في نفسي: شاهدي يا فتاة مقطع الفيديو المهين هذا، علَّكِ تشعرين بتأنيب الضمير وبحجم الإهانة الَّتي ينطوي عليها. فشاهدتُ… وضحكتُ في نفسي… ضحكتُ كثيرًا حتَّى بكيت!

 

Hicham_Haddad

من المتعارف عليه أخلاقيًّا أنَّ إهانة أيّ امرئ، سياسيًّا كان أو من عامَّة الشعب (مع تحفُّظي الشديد على كلمة عامَّة)، خطٌّ أحمر لا يجوز تخطِّيه، إذ إنَّ الكرامة البشريَّة مقدَّسة. لكنَّ الوصول إلى نقطة تأليه الأشخاص، السياسيُّون منهم بشكلٍ خاصّ، أشدُّ خطورةً من الإهانة عينها، خصوصًا في حال غياب هذه الأخيرة. وما جرى اليوم مع الإعلاميّ هشام حدَّاد هو أكبر دليلٍ على ذلك. إذ، نظرةٌ سريعة على الفيديو الَّذي بسببه استدعيَ حدَّاد إلى التحقيق، تدلُّ على أنَّ الإطار كان كوميديًّا بحت، حتَّى أنَّ حدَّاد نفسه لم يتوجَّه مباشرةً بالكلام إلى من اتُّهم بإهانته، أي ولي عهد المملكة العربيَّة السعوديَّة، سمو الأمير محمَّد بن سلمان. كما أنَّ المزحة الَّتي تفوَّه بها، لا تشمل أيّ إهانة معنويَّة أو جسديَّة من أيِّ نوعٍ كان. فهل بات التطرُّق إلى إنسان ما، بمزحةٍ خفيفةٍ لا تحمل في طيَّاتها أيًّا من النوايا الخبيثة، جرمًا يحاسب عليه القانون؟ وهل أصبحنا نعيش في عصر كمِّ الأفواه واغتصاب الحريًات وتأليه السياسيين كما لو أنَّهم ليسوا من الشعب وله؟

لطالما تبجَّحنا أمام رفاقنا الأجانب والعرب بما حفظناه من كتاب التربية الوطنيَّة، وهو أنَّ لبنان بلد الحريَّات والأحلام الزهريَّة، لنتفاجأ منذ فترة بحملات لا تشبه الوجه الحضاريّ لبلاد الأرز. لذلك، صرخة من شباب هذا الوطن، المقيم والمغترب: لا تعيدونا إلى الوراء… لا نريد أن نرث بلدًا مهترئًا! دعونا نعبِّر عن آرائنا، دعونا نكسر حواجز الصمت الآثمة بيننا! لا تقيِّدونا… فمعاصمنا قد أدميت من سلاسل مشاكلنا الاقتصاديَّة والماليَّة والاجتماعيَّة! “ما تستكتروا علينا مساحة منفشّ خلقنا فيا!”

أخيرًا، حذاري من يومٍ سينقلب فيه القمع إلى تحدٍّ… وعندها ستصلُ البلاد إلى ما لا تحمد عقباه. إلى حينه، جنِّزوا واقبروا وادفنوا… لقد دفنتم أحلام جيلنا… “مش رح تعصى عليكن حريَّة التعبير”!

 

 

فيلم بيروت والسكيزوفرانيا الُّلبنانيَّة!

تدهشني شخصيَّة الشعب الُّلبناني المزدوجة. تدهشني قدرته على الدَّمج بين نقيضين، كمن يخلط الزَّيت بالماء ويصرُّ على جمعهما في الوعاء نفسه. ولكن يا سادة، ألا يبقى الزَّيت زيتًا والماء ماءً؟ فما بالنا في هذا البلد نعيش السكيزوفرانيا حدَّ الاقتناع بأنَّها القاعدة وما بقي استثناء، وما بالنا نصقل شخصيَّتنا الوطنيَّة في قوالب التذمرِّ المبرمج؟

ما فاتَ أحدًا الأسبوع الماضي خبرُ عرضِ فيلم يحملُ اسم بيروت، وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن تاريخ أمِّ الشرائع وهويَّتها وكينونتها التعدديَّة الجميلة. بالفعل، لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أنَّ الفيلم مستفزّ من المشاهد الَّتي أُظهِرت منهُ ومن السوداويَّة الَّتي ألصِقت بصورة المدينة الجميلة، المنبعثة من الرماد كطائر الفينيق. ولكن! حكم الُّلبنانيُّون على فيلم يتناول فترة الحرب المقيتة من العام 1982، في حين لم يشاهدوا منه سوى دقيقتَين ونصف الدقيقة. في الوقت عينه، همَّ الُّلبنانيُّون نفسهم بالدفاع عن فيلم آخر أوقفته الرقابة لما يربط مخرجه بإسرائيل، وكانت حجَّتهم: حريَّة عرض الأفلام…

Beirut-movie-750x420

عند قراءتي الحادثتين، توقَّفتُ عند نقطتَين طرحتا أمامي أسئلةً جمَّة. أوَّلًا، وجدتُ أنَّنا شعبٌ، ولتعذروني، منافق. نحنُ نهوى الًّلعب على الحبلين! فمن جهةٍ، نريد إظهار بلدنا كبلدٍ منفتحٍ متحضِّر يعرض ما أوتي إليه من مواد إعلاميَّة بكلِّ حريَّة وشهامة، ومن جهة أخرى نطالب بإيقاف فيلم صوَّر عاصمتنا بشكلٍ خاطىء، من دون أن نأخذ عناء مشاهدة الفيلم كاملًا ثمَّ “نشره على سطوح بيروت”.

السلاح يا سادة في العام 1982 كان متفلِّتًا وبيروت كانت مدمَّرة والأولاد كانوا يُستَخدمون لتعبئة البنادق بالرصاص، ومن يقول غير ذلك، فهو إنسانٌ مخادع. صحيحٌ أنَّ الفيلم عرَّب بيروت إلى حدٍّ كبير، ولكن هذا لا يعني ألَّا نشاهد وننتقد ونرفع الصوت بعد المشاهدة كأناسٍ مثقَّفين منفتحين على النقاش والأخذ والردّ.

ثانيًا، أرجو منكم أن تشرحوا لي ما الَّذي قمنا به لنغيِّر صورة العالم عنَّا. نصفنا يجلس خارج لبنان، يكتِّفُ رجلًا على رجل، ويتبجَّح بعدم العودة لأنَّ بلاد الأرز لا تملك مقوِّمات الحياة، ويروح ينتحب أمام الفيلم لأنَّه يشوّه صورة بلده! والنِّصفُ الثاني، يجلس هنا، يشتم جميع رجال السياسة ويتعنتر بالقول: سنقاطع الانتخابات. قولوا لي إذًا من المسؤول عن صورة بيروت المشوَّهة. نحن المسؤولون ولنكن لمرَّة واحدة صريحين مع أنفسنا! لنقف ونضع الإصبع على الجرح، علَّنا نكويه فيختم سريعًا…

صمتنا وعدم محاسبتنا هما المسؤولان عن فساد أهل السياسة. خنوعنا هو المسؤول عن وضعنا الاجتماعيّ والاقتصاديّ المزري. استسلامنا هو المسؤول عن هجرتنا. فلا نلم أحدًا رجاءً. 

أعلمُ جيِّدًا أنَّ البعض سيستخدمُ ما كتبته ضدّي ليتَّهمني بالدفاع عن الفيلم أو بالتكبُّر على شعبي. ولكن، وليشهد الله أنَّني بلَّغت، لا أبغى سوى كسر الصَّمت الجائر الَّذي يحيط بنفوسنا المرهقة من السموم الَّتي تجرعها يوميًا. لقد تعبتُ كما تعبتم من الحروب النفسيَّة الَّتي نشنُّها نحنُ على ذاتنا. فلماذا إذًا جلدُ الذَّات، في الوقت الَّذي بإمكاننا العمل فيه على التحسين والارتقاء ببلدنا إلى مكانٍ آخر نحلم فيه؟

في الختام، أوجِّه رسالتي إلى وزارة الثقافة الُّلبنانيَّة لا لأعاتبها على الخطأ الوارد في بيانها في ما يخصّ إسم المخرج، ولكن لأدعوها إلى الكفِّ عن “الاستشعار” والتغنِّي بالأمجاد الغابرة… حان وقتُ تسطير تاريخٍ جديد! 

غازي عاد… هنيئًا لعينيك!

صحوتُ اليوم والصَّباح قد عقد الحاجبَين ورحل… صحوتُ والسَّماءُ راحت تنثر قطراتِها قطرةً قطرةً، وكأنَّها تتنهَّد وتتأوَّه وتتوجَّع! صحوتُ وما دَرَيتُ لماذا الدُّنيا حزينةٌ حدَّ الموت، لماذا الرِّياح ترقصُ سكرى ألمًا ولماذا تلك الخيمة الافتراضيَّة في وسط بيروت، والَّتي أزيلت بسبب غياب الضَّمير لدى من اغتصبوا الحكم ومؤسَّساته، قد ارتدت كفن الرَّدى والقهر… رحل غازي عاد عنونت الجرائد، راح غازي عاد أعلنت محطَّات التَّلفزة… رحل ولدي: صرخت أمُّ أحد المقفودين في سوريا!

 

Ghazi Aaf

من على كرسيه الجبَّار، صدح صوته مطالبًا بالعدالة لعائلات خطف منها جيش الاحتلال السُّوري الغاشم فلذات كبدها. أتراهُ هاب يومًا أبواقهم؟ أتراهُ قرَّر يومًا الاستسلام؟ والله لا! لقد تعبنا وما تعب غازي، لقد مللنا ولم يمل غازي، لقد يئسنا وما يئس غازي! ولكنَّه استرسل للنوم، فضَّل الرَّحيل شامخًا على إعلام الأمَّهات بما يعلمنه أصلًا: قضيَّتكنَّ رماها هؤلاء في درج عميق… عميق جدًا! أغمض غازي الجفنين… فهنيئًا له والويح، كلّ الويح علينا!

منذ شهرٍ تقريبًا، تراجعت حالة عاد الصِّحيَّة ودخل في حالة غيبوبة في مستشفى رزق. عنونت صحيفة النَّهار حينها: غازي عاد… ننتظرك!

غازي عاد…

لقد نسيت ألمك ورحت تبلسم جراح الآخرين المثخنة، ومن على كرسيك المتحرِّك حرَّكت قضيَّة لم يجرؤ أحد “الواقفين” على باب هيكل الفساد على تحريكها! ستشتاق ساحات العاصمة إلى نظراتك وعصاميَّتك، وسنشتاق إلى صوتٍ كلَّما حكى، صاحت معه أصوات الُّلبنانيين من زنزانات الظلم والظَّلام…

ولعينَيك النَّائمتين منِّي وعد: قسمًا بمن زرع الأرز على هذه التِّلال، قسمًا بالعزَّة والكرامة والعنفوان، قسمًا بتاريخك المشرِّف، لن نترك قضيَّة المفقودين في السُّجون السَّوريَّة تمرّ مرور الكرام!

والسَّلام

قراءة في التاريخ والسياسة: ماذا يحصل في وطني؟

غريبٌ أمرُ ذلك الوطن… غريبٌ أمر ذاك المكابر على الآهات والآلام، المتعالي على الثرثرات والهرطقات، والصَّامت في حضرة من قال يومًا: “قف! هذا الجبل وقفٌ لي، لن تطأه قدماك، لا أنت ولا كلّ من يأتي بعدك.” (سفر يشوع بن نون)

غريبٌ أمر هذه البقعة الجغرافيَّة الصغيرة الَّتي يحجبُها خنصر ابن ثلاث سنوات، والواردة في الأجندات السياسيَّة لمعظم دول العالم!

غريبٌ أمرُ دولة، تنهشها أنياب دويلة ودول، وشعبها لا يزال راقدًا في ثباتٍ عميق… حدَّ الانكسار!

وهل في فنِّ السياسة من غريب؟

 

لا أتَّفق مع الَّذين يقولون أنَّ مشكلة لبنان تكمن أساسًا في كينونته الذاتيَّة أو في تعدديَّته الصارخة، إذ وبلفتة صغيرة على عالمنا اليوم، نجد أنَّ معظم الدول غير متجانسة بشكل كامل إن كان إثنيًا أو دينيًا أو عرقيًا. المشكلة إذًا ليست في هذه النقطة بالذات، بل في الانتماءات الجانبيَّة الَّتي طغت، للأسف، على الانتماء الأساسي، ألا وهو الانتماء الُّلبناني. ولكي يفهم المرء سبب هذه الآفة، الَّتي أدَّت إلى كلِّ ما أدَّت إليه على السَّاحة اللبنانيَّة، ينبغي علينا العودة إلى تاريخ أساسيٍّ قلب السياسة العالميَّة رأسًا على عقب: عام 1979 والثورة الإيرانيَّة.

 

Waving-Saudi-Arabia-Iran-Flag-Map-World

في التاريخ

لا يختلف اثنان على أنَّ ما قبل العام 1979 مختلف تمامًا عمَّا بعده، فصعود نجم الشيعيَّة السياسيَّة بعد أعوام من التهميش – بحسب البعض، ووضع مفاتيح سياسة الدَّولة الإيرانيَّة على مختلف الأصعدة بين يدَي رجال الدِّين فقط، عرَّى الدَّولة من صورتها الحضاريَّة الجليَّة آنذاك، وجعلها في خانة الدول المنغلقة على نفسها، خصوصًا مع بروز أصوات متأثِّرة بنهجي جلال الأحمد، الَّذي نادى بالشيعيَّة السياسيَّة كلقاح ضدَّ وباء التغرُّب، وعلي شريعتي الَّذي خلق مزيجًا بين الشيعيَّة والشيوعيَّة. ومع إمساك العباءات الدينيَّة بزمام الحكم، أصبحت أجندة إيران واضحة: فرض ولاية الفقيه عبر أجسامٍ غريبة، تخلقها بنفسها، تنمِّيها، وتحقِّق من خلالها مآربها. وهكذا، ولد حزب الله في لبنان في العام 1982 بحجَّة مقاومة إسرائيل…

“الدِّين أفيون الشعوب.” أكتفي بهذه العبارة لشرح الوقع المدوِّي للثورة الإيرانيَّة الشيعيَّة، على الخليج العربي ذات الأغلبيَّة السنيَّة، وبشكلٍ خاص على المملكة العربيَّة السعوديَّة الَّتي فرضت نفسها كقبلة السنَّة مع نشوء جمهوريَّتها الثالثة في العام 1902. والُّلعبة منذ ذلك الوقت لم تتغيَّر…  إذ لم تدخل إيران والسعوديَّة يومًا في صراعٍ عسكريٍّ مباشر؛ حتَّى بات المحلِّلون السياسيُّون يستخدمون عبارتَي الحرب بالوكالة والحرب الباردة لوصف ما يجري في العالم العربي، وإليكم ملخًّصًا سريعًا عمَّا يجري:

  • العراق: بعد سقوط نظام صدَّام حسين السنِّي، وارتداد خطَّة إدارة جورج بوش الإبن بفضِّ نظام البعث (Debaasification) عليها، اغتنمت الأكثريَّة الشيعيَّة، بدعم إيرانيّ، الفرصة، ما سمح لإيران بكسب مساحة جديدة لفرض قرارها السياسيّ، لدرجة دفعت بالعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، إلى التحذير من خلق “هلال شيعيّ” في المنطقة يشمل إيران والعراق ولبنان. وما بروز الحشد الشعبيّ في العراق اليوم غير خير دليل على ذلك!
  • اليمن: صراعٌ سعوديّ (عبد ربُّه منصور هادي / السنَّة) – إيرانيّ (علي صالح والحوثيين / الشيعة) بحت، خصوصًا أنَّ لليمن موقع استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
  • سوريا: دعمٌ سعوديّ للجماعات المناهضة لنظام الأسد القريب أساسًا من النظام الإيرانيّ، مقابل وجود مقاتلين من حزب الله، الذراع العسكريَّة للحرس الثوري الإيرانيّ، على الأراضي السوريَّة بحجَّة حماية المقرَّات الدينيَّة، فيما الهدف الأساس هو إبقاء الأسد في الحكم لتبقى سوريا ممرًّا للأسلحة الإيرانيَّة نحو لبنان.

 

أين لبنان من كلِّ ذلك؟

ما لا شكَّ فيه أنَّ لبنان يحتلُّ موقعًا مهمًّا على أجندة كلّ من المملكة العربيَّة السعوديَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة. فللأولى هو الباب نحو الغرب؛ مقرٌّ للمسلمين السنَّة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السنِّي؛ بوَّابة نحو سوريا، ومخرِّج الأدمغة الَّتي تضخُّ في المملكة ميليارات الدولارات. أمَّا بالنسبة للثانية، فهو البوَّابة شبه الوحيدة إلى سوريا، والذراع الأساسيَّة لنشر الشيعيَّة السياسيَّة وتحقيق الهدف الأكمل، ألا وهو ولاية الفقيه. انطلاقًا من هنا، تعتبر الدَّولتان مشاركتين في صنع القرار السياسيّ الُّلبنانيّ، ولو أنَّ الطَّمع الإيرانيّ يغلب ذاك السعوديّ، وقد ظهر ذلك للعيان في أكثر من مناسبة.

ففي حين، لا تبغي المملكة من دولة الأرز سوى التزامًا بالنأي بالنفس وبوضع حدٍّ لتعديَّات حزب الله، تتعدَّاها إيران في أطماعها، بأشواط… استغلَّت إيران لبنان ونهشت لحمه عبر إدخاله رغمًا عنه في النزاع السوريّ والنزاع اليمنيّ، وحاولت مرَّات ومرَّات أن تقطع علاقاته مع الخليج العربيّ من خلال تصريح من هنا وخطاب من هناك. وفي حين، تمدُّ المملكة يدها للدولة، عبر مساعداتها المتعدِّدة للجيش ولإعادة الإعمار، تغتصب إيران كلّ يومٍ هيبة الدَّولة عبر إرسال المساعدات إلى الدويلة أي حزب الله، والتصريح من طهران أنَّ أيّ قرار لبنانيّ، يجب أن توافق عليه إيران أوَّلًا.

استقالة الحريري

لستُ مقتنعة أنَّ الحريري استقال لأنَّه يريد ذلك.

هذا هو موقفي، وأختزله بجملةٍ واحدةٍ لا غير. ولكن… لستُ مقتنعة أيضًا بأنَّ المملكة تملي على لبنان ما تريده، إذ إنَّ أغلبيَّة الشعب الُّلبنانيّ قد نفذ صبرها من حزب الله ومن ممارساته، وكان على هذه الخطوة أن تحصل عاجلًا أم آجِلًا، وإن كان بإطارٍ لا يحمل في طيَّاته هذا البعد الإقليميّ.

من هنا، وانطلاقًا من قراءاتي المتواضعة والبسيطة للوضع، أجد تفسيرَين لا ثالث لهما:

  1. مع صعود نجم ولي العهد محمَّد بن سلمان، قرَّر هذا الأخير أن ينتهج سياسة ناتنياهو المبنيَّة على أساس استمالة عاطفة الشعب عبر خطابات شعبويّة لتثبيت رجلَيه في الحكم، خصوصًا أنَّ هناك معارضة لا بأس بها لخططه ومشاريعه. وفي حالتنا هذه، استند الخطاب الشعبويّ للأمير على محاربة الفساد المزعومة واعتقال أهم الأمراء والوزراء، وعلى رفع لهجة الهجوم ضدَّ إيران، العدو الألدّ للشعب السعوديّ. وتقع استقالة الحريري في الخانة الثانية…
  2. صحَّة التهديدات الأمنيَّة للرئيس سعد الحريري، على الرغم من نفي الأجهزة الأمنيَّة علمها بذلك – خصوصًا أنَّها لم تعلم بصحَّة التهديدات قبل اغتيال الرَّئيس الشهيد رفيق الحريري – وانتقاله إلى الرياض وإعلان استقالته لعدم تكرار التراجيديا الَّتي ألمَّت بلبنان في العام 2005.

5a07358d0b515

وقد حصلت الاستقالة، أطلَّ البارحة الرَّئيس سعد الحريري مع الإعلاميَّة بولا يعقوبيان في مقابلة اعتبرها البعض “تاريخيَّة”، في حين تمَّ حجب القناتين الَّلتين نقلتاها (الأم تي في والمستقبل) عن مناطق لبنانيَّة عديدة، لنعود بالذاكرة إلى أسوأ الفترات الَّتي مرَّ بها لبنان، ألا وهي فترة الاحتلال السوريّ وقمع الحريَّات. كذلك، التقى الحريري البطريرك مار بشارة بطرس الرَّاعي خلال زيارته التاريخيَّة للمملكة. وكان الأخير قد صرَّح أنَّه مقتنع بأسباب الاستقالة. صحيحٌ أنَّ الحريري أقنع البعض وأراحهم، وزاد من شكوك البعض الآخر ومخاوفهم، لكنَّ المؤكَّد أنَّ عودته إلى لبنان باتت وشيكة وحازمة بعيدًا عن المشاعر المصطنعة للبعض.

لا أدري ماذا ستحملُ الأيَّام المقبلة في طيَّاتها، ولا ماذا ينتظر لبنان في المستقبل، ولكنَّ السؤال الكبير الّذي يدور حاليًا في ذهني: أما حان الوقت ” ليحسّ حزب الله عدمُّو” ويسلِّم سلاحه، متمِّمًا مشروع ولايته الفقيهيَّة على أرضٍ غير الأرض الَّتي قدَّسها الله؟

واشكروا الهاشتاغ عنِّي…

لأنَّه ذكر عشرينيّ؛ لأنَّ حاجاته الحيوانيَّة كثيرة؛ ولأنَّني فتاة لم تتخطَّ السنين العشر، كان لديه كامل الحقِّ بأن يتحرَّش بي جنسيًّا.

لأنَّني فتاة؛ لأنَّني امرأة؛ لأنَّهم لقَّنوني أنَّ ملابسي، من أطولها إلى أقصرها، تثيره، كان يحقُّ له أن يرمقني بنظرات الشهوة تلك، كلَّما سرتُ على الطريق أو استقلَّيتُ الباص لأذهب إلى جامعتي.

لأنَّني “حلال عليه” وصوتي “محرَّم”؛ لأنَّني “إنسان درجة ثانية”؛ لأنَّني من ضلعه الأسطوريّ جُبِلت؛ لأنَّني أجبرت على الزواج منه وأنا أزوِّج دميتي وأبني لعريسها منزلًا من “الِّليغو”؛ لأنَّ شرفي يقاس بكميَّة من دماء وبغشاء فضَّه المجتمع بحقارته منذ زمنٍ بعيد، كان عليَّ أن أصمت وأن أستمع إلى كلِّ كلمة “عادي، ما تعوَّدتي؟”، وخناجر الظلم تقطِّعني إربًا.

لأنَّني كلّ ذلك، سأنتفض اليوم وسأرفعُ صوتي ليقضَّ مضاجع من ساوموا على حقوقي، من اغتصوبني بقوانينهم الجائرة ومن وضعوني على رفِّ نذالتهم، دميةً يكسرونها حين يشاؤون…

 

abused-child

منذ بضعة أيَّام وهاشتاغ “Me too”، ما معناه بالُّلغة العامية “وأنا كمان”، يجتاح مواقع التواصل الاجتماعيّ بشكل جنونِّي ليسلِّط الضوء على التحرُّشات الجنسيَّة الَّتي تتعرَّض لها المرأة بشكلٍ خاص في مجتمعات العالم كافَّة. في هذا السياق، صُدِمتُ عند قراءتي العديد من التغريدات، بالجهل المتفشِّي في عالمنا العربيّ. إذ لا يعترف مجتمعنا بوجود “عمل أو فعل جنسيّ بالإكراه” إلَّا في الحالة القصوى، أي في حالة الاغتصاب، وكأنَّ التحرُّشات الجنسيَّة الأخرى باتت جزءًا لا يتجزَّأ من حياتنا اليوميَّة، وكأنَّنا جرعنا السمَّ، تكيَّفنا مع آلامه الحادَّة، غير آبهين بالنهاية التعيسة الَّتي سنؤول إليها!

انطلاقًا من هنا، ولكي نضع النِّقاط على الحروف مرَّة واحدةً وأخيرة، سنصيغ تفسيرات بكلمات بسيطة ليفهمها الجميع، علمًا أنَّ هذه التفسيرات علميَّة ومعتمدة من قبل منظَّمة الصحَّة الدَّوليَّة.

  • التحرُّش الجنسيّ: تصرُّف له إيحاءات جنسيَّة واضحة. مثال على ذلك: أن تتمّ ملاحقة فتاة تسير في الشارع، وإمطارها بالتعابير الجنسيَّة، أو حتَّى النظر إليها بطريقة تثير الشبوهات.
  • الاعتداء الجنسيّ: سلوك يتعدَّى على حرمة جسد الطرف الآخر الَّذي يكون أساسًا غير راغبٍ بهذا السلوك. مثال على ذلك: لمس الأماكن الحميمة، المداعبة بالإكراه… وفي العديد من الحالات، يشمل ذلك التهديد، أو التخدير أو العنف.
  • الاغتصاب: حصول عمليَّة جنسيَّة كاملة – الولوج الكامل للقضيب – بالإكراه.

بناءً على ما تقدَّم، يجب على جميع الجهات المعنيَّة، من دولة ومنظَّمات إنسانيَّة – نسائيَّة، أن تعمل بشكلٍ جدِّي على إدراج الثقافة والوعي الجنسيين كبندَين إلزامِيَين في المناهج التعليميَّة، لأنَّه من غير المقبول بعد اليوم أن نغضَّ الطرف عمَّا يجري أو أن ننتظر وقوع المصيبة القصوى لننتفض. كذلك، بات من غير المسموح في القرن الحادي والعشرين أن نُخرس الفتاة متى تعرَّضت لأيِّ نوعٍ من أنواع التحرُّش، وأن ننتظر هاشتاغ بسيط لنفهم فداحة المشكلة وهول رقم الفتيات الَّلواتي تعرَّضن للتحرُّش.

واشكروا الهاشتاغ عنِّي كلَّما مررتم في دارنا،

واسألوا دموعًا بلَّلته عن سخطنا وعارنا،

نحنُ قومٌ نريقُ الأحمر للشرفِ،

وننسى دما الحروب وبؤسَ حالنا!

%d مدونون معجبون بهذه: