الثورة… بعيونهم!

شهرين.

60 يومًا.

1440 ساعةٍ وأكثر من 86000 دقيقة…

منذ سنواتٍ عديدة، لم يمر وقتٌ طويلٌ كهذا من دون أن أستلَّ قلمي وأكتب، بخاصَّةٍ إذا كانت المناسبة جاذبة للكلمات الرنَّانة والقصائد الفتَّانة. لقد فضَّلتُ، ومن دون التفكير مرَّتين، أن تكون الساحة كلمتي ومساحة تعبيري، وقرقعة الطناجر قصيدتي المنظومة على وزن الأحلام بغدٍ أفضل لي ولأبناء جيلي والأجيال القادمة. والحقيقةُ أيضًا أنَّني لم أتمكَّن قبل اليوم من تركيب جملةٍ سليمةٍ صحيحة للتعبير عمَّا اختلج ولا يزال يختلجُ قلبي من مشاعر وأحاسيس ثوريَّة، نبضها الشعب، عنوانها الحريَّة… وشعارها: لبنان، ولبنان وحده!

أمَّا الليلة، فلن أعظكم بالوطنيَّة، أنتم الذين لقَّنتموها للعالم في الأيام الستِّين الأخيرة، ولن أنتحب على أطلال سلطةٍ بائسة عفنة تضع جيشها في وجه أبنائها في مشاهد عُنفيَّة رجعيَّة غير مسبوقة، لكنِّني سأتحدَّثُ عن قصصٍ عشتُها خلال الانتفاضة، وتركت في قلبي بصمةً… رسمُها الأرزة اللبنانيَّة الشامخة والخالدة!

القصَّة الأولى عنوانُها رفيقتي إليسَّا، بشعرها الأصهب الناري الثائر. إليسَّا التي حفظتها زوايا ساحتَي رياض الصلح والشهداء بعدما سكنتهما وسكنتاها. إليسَّا المتمرِّدة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، الناطقة بالحقّ، غير الآبهة بقيودٍ نسجها المجتمع من عقده الدفينة. نعم، إليسَّا قصَّةٌ بحدِّ ذاتها. تسأل: نزلتي اليوم وما قلتيلي؟ وما أوقحني أنا التي تدوسُ على أرضٍ روتها إليسَّا ورفاقها ثوَّار العاصمة بيروت من عرقهم، ودمهم (نعم دمهم!)، وصيحاتهم من دون أن أمرَّ وألقي التحيَّتة عليها!

72579871_2492385220881273_6402212632354357248_o

 

القصَّة الثانية عنوانُها بشير، بكوفيَّته الغاضبة، المنتفضة على ظلمٍ اجتماعيّ نهش الشعب، وأرداه قتيلا. منذ اليوم الأوَّل، لم يكلّ بشير ولم يملّ. يشارك في المظاهرات، في المحاضرات، في التحرُّكات الشعبيَّة… ويوثِّق الضرب الوحشيّ الذي يتعرَّض له الثوَّار على يد القوى الأمنيَّة. “جريمته” هذه دفع ثمنها غاليًا. ضُرِبَ بشير بشكلٍ وحشيّ. نزف. زادوا ضربهم. نزف أكثر. لم يرحموا ولم يشفقوا، وسألوه: مين معلَّمك ولا؟ وهو ينزف… وهم يضربون! اعتُقل بشير مع رفاقه الأبطال، ثمَّ أطلق سراحهم في اليوم التالي. هذه هي سخرية الأقدار: يتفسَّحون في شوارع باريس بجيوبهم الملآنة، وخيرة شبابنا يضربون بسبب شريط فيديو…

61289147_2456496341027531_5268190950944931840_o

القصَّة الثالثة عنوانُها ماريَّا، بشجاعتها الفتَّاكة ومقاومتها السلميَّة الرهيبة. ماريَّا التي لم تهب أن تقف مع الشبَّان ليلًا لتمنع السيَّارات من المرور فالطريق “مسكَّر يا حلو”. ماريَّا التي لم تنم سوى بضعِ ساعاتٍ خلال أكثر من 30 يومًا، لأنَّها كانت تخافُ على الثورة كالأمّ الخائفة على طفلها… كلُّ مرَّةٍ أتحدَّث فيها معها أشعر بعمق الخوف من المستقبل الذي يعتريها، وكأنَّها تُجسِّدُ بشخصها جيلًا كاملًا ليس لديه ما يخسره، وأيقن أنَّ هذه الثورة هي فرصته الأخيرة.

75369308_3221178217954996_3002340229060231168_o

القصَّة الرابعة عنوانُها مروان، بحنكته السياسيَّة وديبلوماسيَّته الرصينة. مروان الذي أتقن فنّ الدمج بين الانتفاضة الشعبيَّة والانتفاضة السياسيَّة، فما بخل بأن يكون الجسر بين الشباب المنتفض في الساحات، والإعلام المحليّ والأجنبي، ومختلف المنظَّمات غير الحكوميَّة. مروان الذي كان همُّه صياغة المطالب بطريقةٍ عقلانيَّة لكي لا تضيِّع الانتفاضة بوصلتها، فتضيع معها الآمال بوطنٍ يشبه تطلُّعاتنا. وكم من مرَّةٍ وقعنا فيها في مآزق، فكان رقمه الرقم الأوَّل على هواتفنا!

WhatsApp Image 2019-12-15 at 21.01.35

 

 

القصَّة الخامسة عنوانُها عبير، بنعومتها الصارخة وشبابِها المتألِّم. عبير هي خيرُ ممثِّلٍ عن عاصمة الشمال طرابلس التي شكَّلت، كما عبير، مفاجأةً من العيار الثقيل. وجعُ عبير يفيض من كلماتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وحماسُتها الشديدة درسٌ لنا جميعًا، نحنُ الذين نستسلم أمام كلِّ صعوبةٍ تواجهنا في هذه الثورة. “بدنا غير مناطق تدعم ثورتنا بِطرابلس”، علَّقت على أحد مناشيري… كبيرةٌ هي هذه الشابَّة اليافعة العنيدة، والمنتفضة على الفقر والإجحاف واللامبالاة!

70306922_3050441994999867_248985636470521856_n

 

القصَّة السادسة عنوانُها شربل، برجاحة فكره وكلماته البنَّاءة. منذ 17 تشرين الأوَّل، وما قبله، عمد شربل على اختيار كلماته بتأنٍّ واعٍ، فما نطق إلَّا بالمحبَّة، وأثبتَ للجميع أنَّ الانتفاضة والمحبَّة صنوان لا يفترقان. أما قيل يومًا: “حبُّ الوطن من حبِّ الله”؟ قلَّةٌ قليلة عرفت كيف تطبِّق هذه المقولة في حياتها اليوميَّة، وقلَّةٌ امتنعت عن السباب والشتائم والإهانة. وإن سألتموني، فسأجيب وبكلِّ راحة ضمير أنَّ شربل هو عميد هذه القلَّة من الناس.

54255012_10161611173870241_4815252384332644352_n

 

قصصٌ ستَّة عن ستَّة أشخاص علَّموا فيَّ وفي ثورتنا، فكانوا الخميرة حيثما حلُّوا، وأثبتوا أنَّ لكلٍّ طريقته في الانتفاضة، ولكن هذا الاختلاف لا يفسدُ للودِّ… انتفاضة!

 

 

 

نُشر بواسطة larissaabouharb

فتاة لبنانية. أعشق الكتابة وأعلم جيدا أن الامل سيعود إلى بلدي وأن التغيير يبدأ بكلمة لا بل بحرف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: