المارونيَّة السياسيَّة: بطلة الجدالات العقيمة

هي تغريدة تويتريَّة بسيطة، كتبتها الإعلاميَّة ديما صادق، كانت كافية لإشعال جبهة “طويلة عريضة” حول أحد أعقد المصطلحات وأكثرها حساسيَّة، ألا وهو المارونيَّة السياسيَّة. وإذ يطيبُ لأيِّ باحثٍ سياسيٍّ أن يسترسل في قراءة التَّعليقات والردود، لا بدَّ لهُ، في مكانٍ ما، أن يتوقَّف عند ظاهرتيَن خطيرتَين، الأولى وهي الجهل السياسيّ، والثانيَّة المتمثِّلة بالتعصُّب الطائفيّ الأعمى. فالأغلبيَّة السَّاحقة من المواطنين لا تفهم حقًّا ما هي المارونيَّة السياسيَّة، لكنَّها تغوص عميقًا في الدِّفاع عنها لاحتوائها فقط على كلمة “مارونيَّة”. وما أدراك عزيزي القارئ بالانتماء الطائفيّ الَّذي يعلو على الانتماء الوطنيّ في لبنان؟

في هذا السياق، سنحت لي الفرصة خلال كتابة أطروحة الماستر حول الموارنة والفلسطينيِّين في المملكة المتَّحدة، أن أعرِّج على بعضٍ ممَّا قيل في المارونيَّة السياسيَّة، وعلى أهمِّ الكتب الَّتي فنَّدتها وشرحتها بدقَّةٍ وموضوعيَّة. لذلك، سأعرضُ في ما يلي شرحًا علميًّا لهذا المفهوم السياسيّ الُّلبنانيّ، مرفقًا بمختلف وجهات النَّظر الَّتي بُنيت حوله.

أوَّلًا، وُلد مفهوم المارونيَّة السياسيَّة في خمسينات وستِّينات القرن الماضي على يد المعلِّم كمال جنبلاط، الَّذي كان رأس الحربة في الخطِّ اليساريّ الدَّاعي إلى مزيدٍ من العدالة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، للمسلمين بشكلٍ خاصّ. ووُجِدَ المصطلح أساسًا ليعبِّر عن سيطرة الموارنة على الحكم في لبنان، من خلال حيازتهم على امتيازات وحقوق حُرِم منها المسلمون، تحت حجَّة الحفاظ على حياديَّة الدَّولة الُّلبنانيَّة، خصوصًا في المسائل العربيَّة الشائكة[1]. في الوقت عينه، كان القادة الموارنة ينسجون علاقات، أقلّ ما يُقال عنها حميمة، مع دول الغرب، وفي طليعتها فرنسا. وما زاد الطِّين بلَّة، هو زيادة عدد المسلمين ديمغرافيًّا، مع الإبقاء على نسبة تمثيل سياسيَّة أعلى للمسيحيين بنسبة 6 إلى 5، أي مقابل كلّ 6 نوَّاب مسيحيين، ينتخب 5 نوَّاب مسلمين، والأمر سيَّان في ما يتعلَّق بوظائف الدَّولة. ووفقًا للمفكِّر منح الصلح، وجدت المارونيَّة السياسيَّة علَّة وجودها في الفكرة القائلة بأن المارونيّ وحده هو من أوجد دولة لبنان، وبالتالي لهُ الحقّ في الحصول على ضمانات وامتيازات فيها[2]. والمؤكَّد في هذا السياق، أنَّ العصب الطائفيّ الَّذي كان يحرِّك المارونيَّة السياسيَّة، حرَّك أيضًا الطوائف الأخرى، الَّتي، وإن في السرّ، كانت تهدف أيضًا إلى بسط سيطرتها على الواقع السياسيّ الُّلبنانيّ[3].

من ناحيةٍ أخرى، انطلقت أصواتٌ أكثر حديَّةً في انتقاد المارونيَّة السياسيَّة، الَّتي انفجرت حممها في أحداث عام 1958، في عهد الرَّئيس كميل شمعون (ولا ننسى هنا رفض البطريرك بولس المعوشي لتصرُّفات شمعون ونهجه الَّذي صُبغ بالمارونيَّة السياسيَّة، حتَّى أطلق مناصرو شمعون على المعوشي، لقب: محمَّد  المعوشي). فبالنسبة إلى إيلين هاغوبيان، تشبه المارونيَّة السياسيَّة إلى حدٍّ كبير الصهيونيَّة، إذ تنبع العقيدتان من السعيّ الدَّائم إلى سيطرة طائفة واحدة فقط على الحكم[4]. من جهته، وصف رياض الريِّس متبنِّي هذا النهج “بالمهرطقين السياسييِّن” الَّذين يزعمون بأنَّ العروبة تريد التهام لبنان وتعريبه[5].

مقابل هذه الانتقادات الَّلاذعة، يعتبر المنتمون إلى ما يُعرف “باليمين المسيحيّ”، بأنَّ المارونيَّة السياسيَّة تعني في جوهرها القوميَّة الُّلبنانيَّة، والعمل الدؤوب في سبيل الحفاظ على خصوصيَّة لبنان وكينونته. ولدعم حجَّتهم هذه، يذكرون كبار المفكِّرين كميشال شيحا وكمال يوسف الحاج الَّذي أكَّد على أنَّ الشعور القوميّ لا يتبلور إلَّا عندما يترافق ببناء دولة حقيقية، وذلك للردّ على ما طاول الموارنة من انتقادات تدور حول خلقهم تاريخًا لبنانيًّا من العدم لتمييز نفسهم عن الجوار العربيّ[6]. في هذا السياق عينه، يشير سليمان تقي الدِّين إلى أنَّ العديد من المسلمين كانوا من داعمي المارونيَّة السياسيَّة، نظرًا إلى الإصلاحات الَّتي خلقتها في الدَّولة وإلى الحيِّز الكبير الَّذي أعطته للمسلمين، بعدما علم الموارنة بأنَّهم غير قاديرن على العيش لوحدهم، منعزلين عن جارهم المسلم[7].

WhatsApp Image 2018-10-08 at 11.54.51
الردّ التوضيحيّ لديما صادق

 في الخلاصة، يصحُّ القول بأنَّ المارونيَّة السياسيَّة ليست أسوأ ما مرَّ على لبنان نظرًا للتقدُّم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ الَّذي أنتجته. لكنَّ أخطاءها، برأيي الشخصيّ، أنا المارونيَّة “اليمينيَّة المسيحيَّة”، فاقت إيجابيَّتها، وأشعلت فتيل أوَّل حربٍ أهليَّة لبنانيَّة. إذًا، هي سيِّئة، لكنَّها ليست الأسوأ، تمامًا كما صرَّحت ديما. بناءً عليه، أدعو جميع الُّلبنانيين، قبل الوقوع في فخّ شدّ العصب الطائفي، أن يقرؤوا ويفهموا ويضعوا عواطفهم جانبًا… علَّنا نقدرُ، في يومٍ من الأيَّام، على بناءِ بلدٍ يشبهنا!

المراجع

[1] Sirriyeh, H. (1998) Triumph or compromise: The decline of political Maronitism in Lebanon after the civil war. Civil Wars 1 (4), 56-68

[2] جريدة السَّفير (1978)، المارونيَّة السياسيَّة. بيروت. مركز السَّفير للمعلومات

[3] المرجع نفسه

[4] Hagopian, E. C. (1989) Maronite Hegemony to Maronite Militancy: The Creation and Disintegration of Lebanon. Third World Quarterly 11 (4), 101-117.

[5] رياض الريِّس (1991) المسيحيُّون والعروبة. لندن. رياض الريِّس للكتب والنشر

[6] كرم الحلو (2014) التاريخ ينصف الفيلسفوف كمال يوسف الحاج. صحيفة الحياة.

[7] سليمان تقي الدِّين (2014) الاجتماع السياسي اللبناني أمام خيارات حاسمة. مجلَّة بدايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: