بيني وبين وطني… وعهد كمّ الأفواه!

منذ فترةٍ وأنا أحلمُ بكتابة هذا المقال، لكنَّ الخوف من دخول السجن بتهمة خطِّ الرَّصاص عن الرَّصاص السياسيّ الطائش، كان يربكني. فمع بزوغ فجر جديد، يدلهمُّ أفق الحريَّة في معقل الحريَّة لبنان. وإذ قرَّرتُ أن أكسرَ حاجز الأرق هذا اليوم، جئتُ لأقولَ أنَّني، وسواي من الأحرار، لن أقبل بأن يَسرُقَ منِّي هذا أو ذاك، مهما علا شأنه، حقِّي في التَّعبير والكتابة والانتقاد، بلذاعةٍ إذا تطلَّب الأمر، لأنَّني أنا، هذه المواطنة الحقيرة، هي الَّتي أعلت شأنك سيِّدي السياسيّ من أيِّ طرفٍ أو طائفةٍ كنت.

تركتُ بلدي لبنان في شهر أيلول، كطيرٍ مهاجر يبحث عن مكانٍ في الَّلاوجود، ورحتُ أحلِّق في سماء بلادٍ بعيدة علَّمتني معنى الحريَّة الحقيقيّ. فكنتُ أدخلُ الصفَّ من دون أن أحمل معي ثقل إسمي وديني وطائفتي وانتمائي السياسيّ. جلَّ ما كنتُ أحمل، قلمي… لأحلِّل وأناقش وأبدي رأيي بتشجيعٍ من أساتذتي، حتَّى لو طاول انتقادي حزبهم أو دينهم أو في أقصى الحالات رأيهم. ففي بلاد الكوكب الَّذي أعيش عليه حاليًا، تُسمعُ الآراء ولا تُخنق، يُحترم الفردُ ولا يُرجم، يترجمُ الانتقاد إلى إصلاحات ولا يزجُّ صاحبه خلف قضبان العار والرجعيَّة. هذا في الكوكب الَّذي أعيش أنا عليه… أمَّا على كوكب لبنان، فالوضع مختلف.

سياسيُّو وطني مقدَّسون، لا يمكن المساس بهم لحججٍ لا أفهمها. فالسياسيُّ نفسه يكون مع حريَّة الفرد إذا كان هذا الأخير يهاجم الخصم السياسيّ، ويكون مع زجِّه في السجن إن تطاول عليه وعلى حلفائه!

الحريَّة ليست انتقائيَّة وليست مائدة مأكولات تنتقي منها ما يناسب ذوقك الرَّفيع. الحريَّة ‘أخد وعطا’. فإذا من حقِّك أن تقول ‘بلطجي’ و’صرمايتي بتسوى فلان’ و’تفو’ وغيرها من التعابير السياسيَّة الشجيَّة الأنغام، عليك في المقابل أن تتقبَّل كلّ ما يُقال عنك رغم قساوته. ثمَّ، إنَّ الشأن العام معركةٌ ضروس، لا يسلم فيها السياسيّ من التهجُّم الشخصيّ، خصوصًا في وطنٍ كلبنان، يغمِّس فيه الفردُ الحساسيات السياسيَّة والطائفيَّة مع كلِّ لقمة خبز تدخل فاه. وأوليست هذه الحساسيَّات وليدة خطاباتكم جميعًا ومن دون استثناء؟ أليست هي عصارة استراتيجياتكم لشدِّ العصب حينًا وإرخائه أحيانًا أخرى؟

كفاكم إذًا استهزاءً فينا. كفاكم تمنيننا بأمور هي أقلُّ ما يمكن أن تمنحونا إيَّاه في وقتٍ تغمرنا فيه النفايات وتشحُ فيه المياه والكهرباء.

كفاكم إغتصابًا لحريَّاتنا. كفاكم احتكارًا لحقوقنا في وقتٍ تحتكرون فيه شواطئنا، وكسَّاراتكم تدمِّر ما تبقى من جبالنا.

كفاكم خبثًا ومكرًا وعنجهيَّة. كفاكم تأليهًا لأنفسكم في وقتٍ يجب أن تألِّهوا ربَّكم الَّذي نسيتموه، وشعبكم الَّذي دستم عليه.

لبناني سيبقى قبلة للحريَّة. ومن أراد غير ذلك، فليرحل!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: