فيلم بيروت والسكيزوفرانيا الُّلبنانيَّة!

تدهشني شخصيَّة الشعب الُّلبناني المزدوجة. تدهشني قدرته على الدَّمج بين نقيضين، كمن يخلط الزَّيت بالماء ويصرُّ على جمعهما في الوعاء نفسه. ولكن يا سادة، ألا يبقى الزَّيت زيتًا والماء ماءً؟ فما بالنا في هذا البلد نعيش السكيزوفرانيا حدَّ الاقتناع بأنَّها القاعدة وما بقي استثناء، وما بالنا نصقل شخصيَّتنا الوطنيَّة في قوالب التذمرِّ المبرمج؟

ما فاتَ أحدًا الأسبوع الماضي خبرُ عرضِ فيلم يحملُ اسم بيروت، وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن تاريخ أمِّ الشرائع وهويَّتها وكينونتها التعدديَّة الجميلة. بالفعل، لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أنَّ الفيلم مستفزّ من المشاهد الَّتي أُظهِرت منهُ ومن السوداويَّة الَّتي ألصِقت بصورة المدينة الجميلة، المنبعثة من الرماد كطائر الفينيق. ولكن! حكم الُّلبنانيُّون على فيلم يتناول فترة الحرب المقيتة من العام 1982، في حين لم يشاهدوا منه سوى دقيقتَين ونصف الدقيقة. في الوقت عينه، همَّ الُّلبنانيُّون نفسهم بالدفاع عن فيلم آخر أوقفته الرقابة لما يربط مخرجه بإسرائيل، وكانت حجَّتهم: حريَّة عرض الأفلام…

Beirut-movie-750x420

عند قراءتي الحادثتين، توقَّفتُ عند نقطتَين طرحتا أمامي أسئلةً جمَّة. أوَّلًا، وجدتُ أنَّنا شعبٌ، ولتعذروني، منافق. نحنُ نهوى الًّلعب على الحبلين! فمن جهةٍ، نريد إظهار بلدنا كبلدٍ منفتحٍ متحضِّر يعرض ما أوتي إليه من مواد إعلاميَّة بكلِّ حريَّة وشهامة، ومن جهة أخرى نطالب بإيقاف فيلم صوَّر عاصمتنا بشكلٍ خاطىء، من دون أن نأخذ عناء مشاهدة الفيلم كاملًا ثمَّ “نشره على سطوح بيروت”.

السلاح يا سادة في العام 1982 كان متفلِّتًا وبيروت كانت مدمَّرة والأولاد كانوا يُستَخدمون لتعبئة البنادق بالرصاص، ومن يقول غير ذلك، فهو إنسانٌ مخادع. صحيحٌ أنَّ الفيلم عرَّب بيروت إلى حدٍّ كبير، ولكن هذا لا يعني ألَّا نشاهد وننتقد ونرفع الصوت بعد المشاهدة كأناسٍ مثقَّفين منفتحين على النقاش والأخذ والردّ.

ثانيًا، أرجو منكم أن تشرحوا لي ما الَّذي قمنا به لنغيِّر صورة العالم عنَّا. نصفنا يجلس خارج لبنان، يكتِّفُ رجلًا على رجل، ويتبجَّح بعدم العودة لأنَّ بلاد الأرز لا تملك مقوِّمات الحياة، ويروح ينتحب أمام الفيلم لأنَّه يشوّه صورة بلده! والنِّصفُ الثاني، يجلس هنا، يشتم جميع رجال السياسة ويتعنتر بالقول: سنقاطع الانتخابات. قولوا لي إذًا من المسؤول عن صورة بيروت المشوَّهة. نحن المسؤولون ولنكن لمرَّة واحدة صريحين مع أنفسنا! لنقف ونضع الإصبع على الجرح، علَّنا نكويه فيختم سريعًا…

صمتنا وعدم محاسبتنا هما المسؤولان عن فساد أهل السياسة. خنوعنا هو المسؤول عن وضعنا الاجتماعيّ والاقتصاديّ المزري. استسلامنا هو المسؤول عن هجرتنا. فلا نلم أحدًا رجاءً. 

أعلمُ جيِّدًا أنَّ البعض سيستخدمُ ما كتبته ضدّي ليتَّهمني بالدفاع عن الفيلم أو بالتكبُّر على شعبي. ولكن، وليشهد الله أنَّني بلَّغت، لا أبغى سوى كسر الصَّمت الجائر الَّذي يحيط بنفوسنا المرهقة من السموم الَّتي تجرعها يوميًا. لقد تعبتُ كما تعبتم من الحروب النفسيَّة الَّتي نشنُّها نحنُ على ذاتنا. فلماذا إذًا جلدُ الذَّات، في الوقت الَّذي بإمكاننا العمل فيه على التحسين والارتقاء ببلدنا إلى مكانٍ آخر نحلم فيه؟

في الختام، أوجِّه رسالتي إلى وزارة الثقافة الُّلبنانيَّة لا لأعاتبها على الخطأ الوارد في بيانها في ما يخصّ إسم المخرج، ولكن لأدعوها إلى الكفِّ عن “الاستشعار” والتغنِّي بالأمجاد الغابرة… حان وقتُ تسطير تاريخٍ جديد! 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: