قراءة في التاريخ والسياسة: ماذا يحصل في وطني؟

غريبٌ أمرُ ذلك الوطن… غريبٌ أمر ذاك المكابر على الآهات والآلام، المتعالي على الثرثرات والهرطقات، والصَّامت في حضرة من قال يومًا: “قف! هذا الجبل وقفٌ لي، لن تطأه قدماك، لا أنت ولا كلّ من يأتي بعدك.” (سفر يشوع بن نون)

غريبٌ أمر هذه البقعة الجغرافيَّة الصغيرة الَّتي يحجبُها خنصر ابن ثلاث سنوات، والواردة في الأجندات السياسيَّة لمعظم دول العالم!

غريبٌ أمرُ دولة، تنهشها أنياب دويلة ودول، وشعبها لا يزال راقدًا في ثباتٍ عميق… حدَّ الانكسار!

وهل في فنِّ السياسة من غريب؟

 

لا أتَّفق مع الَّذين يقولون أنَّ مشكلة لبنان تكمن أساسًا في كينونته الذاتيَّة أو في تعدديَّته الصارخة، إذ وبلفتة صغيرة على عالمنا اليوم، نجد أنَّ معظم الدول غير متجانسة بشكل كامل إن كان إثنيًا أو دينيًا أو عرقيًا. المشكلة إذًا ليست في هذه النقطة بالذات، بل في الانتماءات الجانبيَّة الَّتي طغت، للأسف، على الانتماء الأساسي، ألا وهو الانتماء الُّلبناني. ولكي يفهم المرء سبب هذه الآفة، الَّتي أدَّت إلى كلِّ ما أدَّت إليه على السَّاحة اللبنانيَّة، ينبغي علينا العودة إلى تاريخ أساسيٍّ قلب السياسة العالميَّة رأسًا على عقب: عام 1979 والثورة الإيرانيَّة.

 

Waving-Saudi-Arabia-Iran-Flag-Map-World

في التاريخ

لا يختلف اثنان على أنَّ ما قبل العام 1979 مختلف تمامًا عمَّا بعده، فصعود نجم الشيعيَّة السياسيَّة بعد أعوام من التهميش – بحسب البعض، ووضع مفاتيح سياسة الدَّولة الإيرانيَّة على مختلف الأصعدة بين يدَي رجال الدِّين فقط، عرَّى الدَّولة من صورتها الحضاريَّة الجليَّة آنذاك، وجعلها في خانة الدول المنغلقة على نفسها، خصوصًا مع بروز أصوات متأثِّرة بنهجي جلال الأحمد، الَّذي نادى بالشيعيَّة السياسيَّة كلقاح ضدَّ وباء التغرُّب، وعلي شريعتي الَّذي خلق مزيجًا بين الشيعيَّة والشيوعيَّة. ومع إمساك العباءات الدينيَّة بزمام الحكم، أصبحت أجندة إيران واضحة: فرض ولاية الفقيه عبر أجسامٍ غريبة، تخلقها بنفسها، تنمِّيها، وتحقِّق من خلالها مآربها. وهكذا، ولد حزب الله في لبنان في العام 1982 بحجَّة مقاومة إسرائيل…

“الدِّين أفيون الشعوب.” أكتفي بهذه العبارة لشرح الوقع المدوِّي للثورة الإيرانيَّة الشيعيَّة، على الخليج العربي ذات الأغلبيَّة السنيَّة، وبشكلٍ خاص على المملكة العربيَّة السعوديَّة الَّتي فرضت نفسها كقبلة السنَّة مع نشوء جمهوريَّتها الثالثة في العام 1902. والُّلعبة منذ ذلك الوقت لم تتغيَّر…  إذ لم تدخل إيران والسعوديَّة يومًا في صراعٍ عسكريٍّ مباشر؛ حتَّى بات المحلِّلون السياسيُّون يستخدمون عبارتَي الحرب بالوكالة والحرب الباردة لوصف ما يجري في العالم العربي، وإليكم ملخًّصًا سريعًا عمَّا يجري:

  • العراق: بعد سقوط نظام صدَّام حسين السنِّي، وارتداد خطَّة إدارة جورج بوش الإبن بفضِّ نظام البعث (Debaasification) عليها، اغتنمت الأكثريَّة الشيعيَّة، بدعم إيرانيّ، الفرصة، ما سمح لإيران بكسب مساحة جديدة لفرض قرارها السياسيّ، لدرجة دفعت بالعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، إلى التحذير من خلق “هلال شيعيّ” في المنطقة يشمل إيران والعراق ولبنان. وما بروز الحشد الشعبيّ في العراق اليوم غير خير دليل على ذلك!
  • اليمن: صراعٌ سعوديّ (عبد ربُّه منصور هادي / السنَّة) – إيرانيّ (علي صالح والحوثيين / الشيعة) بحت، خصوصًا أنَّ لليمن موقع استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
  • سوريا: دعمٌ سعوديّ للجماعات المناهضة لنظام الأسد القريب أساسًا من النظام الإيرانيّ، مقابل وجود مقاتلين من حزب الله، الذراع العسكريَّة للحرس الثوري الإيرانيّ، على الأراضي السوريَّة بحجَّة حماية المقرَّات الدينيَّة، فيما الهدف الأساس هو إبقاء الأسد في الحكم لتبقى سوريا ممرًّا للأسلحة الإيرانيَّة نحو لبنان.

 

أين لبنان من كلِّ ذلك؟

ما لا شكَّ فيه أنَّ لبنان يحتلُّ موقعًا مهمًّا على أجندة كلّ من المملكة العربيَّة السعوديَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة. فللأولى هو الباب نحو الغرب؛ مقرٌّ للمسلمين السنَّة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السنِّي؛ بوَّابة نحو سوريا، ومخرِّج الأدمغة الَّتي تضخُّ في المملكة ميليارات الدولارات. أمَّا بالنسبة للثانية، فهو البوَّابة شبه الوحيدة إلى سوريا، والذراع الأساسيَّة لنشر الشيعيَّة السياسيَّة وتحقيق الهدف الأكمل، ألا وهو ولاية الفقيه. انطلاقًا من هنا، تعتبر الدَّولتان مشاركتين في صنع القرار السياسيّ الُّلبنانيّ، ولو أنَّ الطَّمع الإيرانيّ يغلب ذاك السعوديّ، وقد ظهر ذلك للعيان في أكثر من مناسبة.

ففي حين، لا تبغي المملكة من دولة الأرز سوى التزامًا بالنأي بالنفس وبوضع حدٍّ لتعديَّات حزب الله، تتعدَّاها إيران في أطماعها، بأشواط… استغلَّت إيران لبنان ونهشت لحمه عبر إدخاله رغمًا عنه في النزاع السوريّ والنزاع اليمنيّ، وحاولت مرَّات ومرَّات أن تقطع علاقاته مع الخليج العربيّ من خلال تصريح من هنا وخطاب من هناك. وفي حين، تمدُّ المملكة يدها للدولة، عبر مساعداتها المتعدِّدة للجيش ولإعادة الإعمار، تغتصب إيران كلّ يومٍ هيبة الدَّولة عبر إرسال المساعدات إلى الدويلة أي حزب الله، والتصريح من طهران أنَّ أيّ قرار لبنانيّ، يجب أن توافق عليه إيران أوَّلًا.

استقالة الحريري

لستُ مقتنعة أنَّ الحريري استقال لأنَّه يريد ذلك.

هذا هو موقفي، وأختزله بجملةٍ واحدةٍ لا غير. ولكن… لستُ مقتنعة أيضًا بأنَّ المملكة تملي على لبنان ما تريده، إذ إنَّ أغلبيَّة الشعب الُّلبنانيّ قد نفذ صبرها من حزب الله ومن ممارساته، وكان على هذه الخطوة أن تحصل عاجلًا أم آجِلًا، وإن كان بإطارٍ لا يحمل في طيَّاته هذا البعد الإقليميّ.

من هنا، وانطلاقًا من قراءاتي المتواضعة والبسيطة للوضع، أجد تفسيرَين لا ثالث لهما:

  1. مع صعود نجم ولي العهد محمَّد بن سلمان، قرَّر هذا الأخير أن ينتهج سياسة ناتنياهو المبنيَّة على أساس استمالة عاطفة الشعب عبر خطابات شعبويّة لتثبيت رجلَيه في الحكم، خصوصًا أنَّ هناك معارضة لا بأس بها لخططه ومشاريعه. وفي حالتنا هذه، استند الخطاب الشعبويّ للأمير على محاربة الفساد المزعومة واعتقال أهم الأمراء والوزراء، وعلى رفع لهجة الهجوم ضدَّ إيران، العدو الألدّ للشعب السعوديّ. وتقع استقالة الحريري في الخانة الثانية…
  2. صحَّة التهديدات الأمنيَّة للرئيس سعد الحريري، على الرغم من نفي الأجهزة الأمنيَّة علمها بذلك – خصوصًا أنَّها لم تعلم بصحَّة التهديدات قبل اغتيال الرَّئيس الشهيد رفيق الحريري – وانتقاله إلى الرياض وإعلان استقالته لعدم تكرار التراجيديا الَّتي ألمَّت بلبنان في العام 2005.

5a07358d0b515

وقد حصلت الاستقالة، أطلَّ البارحة الرَّئيس سعد الحريري مع الإعلاميَّة بولا يعقوبيان في مقابلة اعتبرها البعض “تاريخيَّة”، في حين تمَّ حجب القناتين الَّلتين نقلتاها (الأم تي في والمستقبل) عن مناطق لبنانيَّة عديدة، لنعود بالذاكرة إلى أسوأ الفترات الَّتي مرَّ بها لبنان، ألا وهي فترة الاحتلال السوريّ وقمع الحريَّات. كذلك، التقى الحريري البطريرك مار بشارة بطرس الرَّاعي خلال زيارته التاريخيَّة للمملكة. وكان الأخير قد صرَّح أنَّه مقتنع بأسباب الاستقالة. صحيحٌ أنَّ الحريري أقنع البعض وأراحهم، وزاد من شكوك البعض الآخر ومخاوفهم، لكنَّ المؤكَّد أنَّ عودته إلى لبنان باتت وشيكة وحازمة بعيدًا عن المشاعر المصطنعة للبعض.

لا أدري ماذا ستحملُ الأيَّام المقبلة في طيَّاتها، ولا ماذا ينتظر لبنان في المستقبل، ولكنَّ السؤال الكبير الّذي يدور حاليًا في ذهني: أما حان الوقت ” ليحسّ حزب الله عدمُّو” ويسلِّم سلاحه، متمِّمًا مشروع ولايته الفقيهيَّة على أرضٍ غير الأرض الَّتي قدَّسها الله؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: