CHADDÉ يجول على المهرجانات الُّلبنانيَّة!

ما من حبٍّ مشعٍّ أكثر من حبِّ الُّلبناني للحياة… فهو يتشَّربُ فنَّ الحياة مع حليب الطفولة ويعشقها حدَّ الثَّمالة. هذا ولا ينفكُّ يعبِّر عن حبِّه من خلال السهر وإقامة “المشاريع” مع الأصحاب، وبالطبع المشاركة في المهرجانات، الدوليَّة منها والمحليَّة القرويَّة، غير آبهٍ بظروفٍ أمنيَّة من هنا، وتعقيدات اقتصاديَّة من هناك!

سنحت ليَ الفرصة هذا العام أن أشاهد عن كثب ثلاثة أعمالٍ من ثلاثة مهرجاناتٍ معروفة، ألا وهي مهرجانات جونية الدَّوليَّة، ومهرجانات بيبلوس الدَّوليَّة، وليالي أرز تنُّورين. وسأشارككم اليوم تجربتي هذه وتقييمي الشخصيّ لما شاهدته وشعرت به.

1. أحدب نوتر دام – Notre Dame de Paris (مهرجانات جونية الدَّوليَّة) / 9 تمُّوز 2017

ما من كلمات قادرة على أن تفيَ هذا العمل حقَّه. فإن قالوا “عملٌ متقن”، لقلنا أكثر… ولو استخدموا كلمات المعاجم بأسرها ليصفوا آداء كلَّ شخص صعد على المسرح، لقلنا هذه الكلمات غير كافية!

فبالفعل ما شهده لبنان طوال أربع ليالٍ كان مزيجًا من السحر الموسيقي / الشعريّ والاحترافيَّة المسرحيَّة والتفنُّن الإخراجيّ. حتَّى أنَّني لو أردتُ قصدًا أن أبحث عن خطأ لأكتب عنه، لما وجدتُ شيئا…

Hiba.jpg
المتألِّقة هبة طوجي في المسرحيَّة الغنائيَّة – من صفحة الفنَّانة على موقع فايسبوك

 

لقد استمتعتُ بكلِّ دقيقة من هذه المسرحيَّة المغنَّاة التَّي تدور ظاهريًّا حول قصَّة حبّ، ولكنَّها تعالج في الباطن مشاكل اجتماعيَّة كثيرة تبدأ باللامساواة الاجتماعيَّة ولا تنتهي عند حياة رجال الدِّين. كذلك، سطع نجم الفنَّانة الُّلبنانيَّة هبة طوجي الَّتي فرضت نفسها بقوَّة رهيبة على المسرح، لدرجة نسينا فيها أنَّ هذه الفتاة لبنانيَّة واسمها هبة… لقد بتنا متعاطفين مع “إزميرالدا” الغجريَّة الثائرة والعاشقة!

لقد فهمتُ، على وقع الأغنية الأخيرة لهذا العمل، لماذا صُنِّف “عالميًّا”. وبإمكاني القول أنَّ هذه هي المرَّة الأولى الَّتي أشعر فيها بأنَّ كرامتي كمشاهد محترمة، من سعر البطاقة، الَّذي اعتبره البعض باهظًا، والَّذي بعد مشاهدة حجم العمل أعتبره شخصيًّا مقبولًا جدًّا، وصولًا إلى احترام وقتي الَّذي كرَّسته لمشاهدة العمل.

2. حفل المبدعة عبير نعمة (ليالي أرز تنُّورين) / 15 تمُّوز 2017

إنَّها الفاتنةُ بجمالها الهادىء وصوتها العذب، والمعطَّرة بشذى الأرز منذ طفولتها، كي لا أقول أنَّ صوتها بحدِّ ذاته نعمةٌ للبنان والشَّرق!

حفلها يعكس شخصيَّتها… أغانٍ صعبة تتطلَّبُ مقدرة صوتيَّة هرمة، تصلنا بسهولة عذبة لتطرب مسامعنا وتخترق قلوبنا. ما من شيء مصطنع على المسرح! هي وحدها، بأناقتها الجسديَّة والصوتيَّة المعتادة، وبكلماتها العفويَّة، تكفي من أتى ليسمعها حقًّا ويطمئن على الفنّ الُّلبنانيّ بين يدَيها.

Abir Nehme.jpg
الرَّائعة عبير نعمة في تنُّورين – من صفحة الفنَّانة على موقع فايسبوك

ملاحظاتي لا تطال الفنَّانة عبير نعمة بحدِّ ذاتها، إذ إنَّني أعيد تجربتي بالذهاب إلى أيٍّ من حفلاتها، ولكن لا يمكنني أن أغضَّ النَّظر عن تصرُّفات الجمهور المزعجة، والَّتي تطرَّقت إليها صحيفة الجمهوريَّة مشكورةً. صرخات لا معنى لها من هنا… أحاديث جانبيَّة بصوت عالٍ من هناك (حتَّى أصحاب “الصفوف الأولى” كانوا منشغلين على هواتفهم أو غائصين في أحاديثهم الَّتي لا تنتهي معكِّرين صفو آذاننا). وما يثير الدَّهشة هو صرخات الجمهور المطالبة بأغنيات مختلفة عمَّا تغنيِّه نعمة، وكأنَّهم لا يعرفون أسلوبها أو يسمعون أغانيها.

من هنا، لا بدَّ من احترام الفنَّان وفنِّه بخصوصيَّته وجماليَّته. وللفنانة نعمة، ألف تحيَّة لرقيِّها وسحر فنِّها!

3. نصري وفيلمون في البال (مهرجانات بيبلوس الدَّوليَّة) / 16 تمُّوز 2017

للعودة إلى الماضي نكهةٌ خاصَّة، خصوصًا إذا كان هذا الماضي متغلغلًا في أنغام عملاقَين من عمالقة الفنِّ الُّلبنانيّ، الأستاذ نصري شمس الدِّين والأستاذ فيلمون وهبي. إنطلاقًا من هنا، ترفع القبَّعةُ للأساتذة مروان وغدي وأسامة الرحباني لمجرَّد تفكيرهم بتكريم شمس الدِّين ووهبي!

امتلأت المقاعد ليل الأحد في السادس عشر من تمُّوز، لدرجة بات المرور على السلالم صعبًا، صعبًا جدًّا! الجميع بحالة انتظار… وكان العملُ يستحقُّ وقت الانتظار الطويل – الَّذي تعدَّى حدود المقبول. إذ يكفي أن يستمع المرء إلى تلك الأغاني العصيَّة على الموت، ليشعر بالبهجة والسرور.

Byblos.jpg
نصري وفيلمون في البال – من صفحة مهرجانات بيبلوس الدَّوليَّة على موقع فايسبوك

وعلى الرغم من تفاعل الجمهور القويّ مع الفنَّانين باسمة، وسميَّة البعلبكي وغسَّان صليبا، الَّذين أدُّوا أجمل الأغنيات بشكلٍ رائع، كان هناك بعض الثغرات الَّتي يجب أن توضع تجت المجهر. أوَّلًا، كان العمل فقيرًا باللوحات الرَّاقصة إذ لم نشاهد سوى ثلاث لوحاتٍ أضفت جوًّا جميلًا، وكان ينبغي زيادتها ولو قليلًا، لكي لا يكون الحفل حفلًا غنائيًا فقط. إضافةً إلى ذلك، لم تكن الَّلوحة الختاميَّة على قدر التوقُّعات لدرجةٍ لم أدرِ شخصيًّا أنَّ الحفل انتهى، وهذا ما سمعناه أيضًا من المشاركين لدى خروجنا من الحفل.

وبعد كلِّ ما قيل، تبقى مهرجانات لبنان من الأنجح والأكثر إبهارًا. وبعد المهرجانات الدوليَّة، ماذا ستقدِّم لنا المهرجانات القرويَّة؟ ترقَّبونا!

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: