زدتا كتير يا طوق!

في زمن الرَّصاصات الطائشة، أُطلِقت رصاصةٌ فريدةٌ، واضحةُ الأهداف، شجيَّة اليراع. رصاصةٌ حاذقة، لا تميل يسارًا أو يمينًا، بل تنطلقُ باستقامةٍ مهنيَّةٍ لتدقَّ ناقوس الخطرِ حينًا، و”تربِّع” أجراس الانبهار والإبداع أحيانا. وفي عصرٍ يعلو فيه صوتُ الخربشات من كلِّ حدبٍ وصوب، كان لا بدَّ للصوت الصَّارخ في بريَّة الوطن أن يلقى آذانًا جريئة بمقدار جرأة قلمه… ورصاصه المروَّس!

مذ قرأتُ المقال الأوَّل للصحافي والنَّاقد جوزيف طوق، تنفَّستُ الصعداء وأدركت أنَّ هذا القلم الشَّاب، المعطاء والفذّ سيكون حبل النَّجاة لصحافتنا الهابطة، وسيعيد الحلَّة البيضاء لمن امتهنوا الأوراق الصَّفراء على مدى سنين طوال. وهكذا، ومع كلِّ مقالٍ جديد نسجته أنامله المبدعة على نول القيم، ومع كلِّ حلقة جديدة من برنامج “منَّا وجرّ” حيث كان المرآة لأوجاعنا وهمومنا وآرائنا، كنتُ أزداد إعجابًا بصلابته وبقدرته على ترجمة أصعب الأفكار إلى كلماتٍ تشعرُ بنبض ثورتها، وكأنَّها حيَّة ترزق.

 

16143331_10211575564323163_1117844236832775461_n

سيِّد المنطق، لا تخلو جعبته من الحجج “المبكَّلة” الَّتي تولِّد في النَّفس البشريَّة تمرُّدًا على ذاتها، لتطرح سؤالًا لطالما غضَّينا الطَّرف عنه أو بكلِّ بساطة جارحة، خفنا من مجرَّد التَّفكير به: أوليس المجتمع العنصريّ والكاذب والحاقد والخبيث صنيعة هذه النُّفوس؟ أولسنا نحنُ، أي كلّ واحدٍ منَّا، مسؤولين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر عمَّا يحصل اليوم في مجتمعنا من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، كمنع العاملات الأجنبيَّات من الدخول إلى المسابح أو سقوط قتلى جرَّاء إطلاق الرَّصاص ابتهاجًا أو زيادة الأعباء الماليَّة على شعبٍ بالكاد يقدر على تأمين لقمة عيشٍ كريمة أو غيرها من الممارسات القذرة الَّتي لا تمتُّ للإنسانيَّة بصلة؟ وأمام هذا السؤال الصعب، يجد المرء نفسه أمام خيارَين لا ثالث لهما، إمَّا الهرب والتلطِّي خلف الأصابع الموجَّهة نحو الآخر، أو الكشف عن الجرح وسكب الطِّيب عليه رغم الآلام الَّتي ستنتج عن ذلك. لم يخف طوق من الاحتمال الثاني… تصالح مع نفسه لدرجة قال فيها: “إنَّني، وعندما أنتقد المجتمع، أنتقد نفسي أوَّلًا”! فمخر عباب القضايا الاجتماعيَّة بشجاعةٍ لافتة، غير آبهٍ بأمواج الحقدِ إن علت، طالما أنَّها ستتكسر حتمًا على شاطئ الوطنيَّة الشريفة.

وللنقد الفنِّي عند طوق طعمٌ آخر. فهو “شيف” درجة أولى، لا يبهِّر ولا يملِّح، لكنَّه يوازن بين مختلف المكوِّنات، لنتذوَّق على مائدته أشهى الأطباق وأكثرها إتقانًا. ونراهُ يمزج العلم، أو المعلومات الَّتي استقاها من مسيرته الأكاديميَّة، مع المتابعة الدَّقيقة لكلِّ عملٍ جديدٍ يظهر على السَّاحة الفنيَّة، من مسلسلات وفيديو كليبات، ليضيف لمسته السَّاخرة والمؤنِّبة أو المشجِّعة المصفِّقة. وفي كلتي الحالتين يكون العمل أو الآداء مستحقًّا حكمه أفضل استحقاق!

وإذا أردتُ أن أتوقَّف عند نقطةٍ أخيرةٍ تلمسني شخصيًّا في الصَّميم، فهي ومن دون أدنى شكّ إتقانه الُّلغة العربيَّة المرمية اليوم في أدراج النِّسيان، إتقانًا لافتًا. وأعترف في هذا الصَّدد أنَّني قارئةٌ نهمةٌ وصعبة المنال خصوصًا في ما يتعلَّق بلغة الضَّاد الَّتي أعشق. لقد اجتزت يا سيِّدي الامتحان بنيلك وسام شرفٍ عربيِّ الهوى، ولبنانيّ الهويَّة!

أخيرًا، أمام خلطتك السحريَّة الَّتي توقعنا في شركها كلَّ مرَّةٍ نقرِّر فيها قراءة مقالاتك، كلمةٌ واحدة من إحدى ضحاياك: روق علينا يا طوق… صرنا مدمين عإبداعك!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: