إلى أمِّي!

غريبٌ أمرك يا إنسان، تكتبُ الحكم والشِّعر عمَّن علَّمك الإمساك بالقلم والكتابة، فتجود في كلماتك لتملأ سطورًا عن ملكة شبيهة بالعذراء مريم: تكتم كلَّ شيء في قلبها وتتأمَّل فيه!

عرفت أنَّ بضعة أسطر على الفايسبوك لن توفيك حقَّك، وتأكَّدت من أنَّ صورة الإنستغرام لن تشفي غليلي! أيقنت أنَّ رغبتي بالتكلُّم عنك كبيرة، فغامرتُ وكابرتُ على الدَّمعِ والذكريات الحزينة، ورحت أبحر في ألبوم الضحكات والتَّضحيات، فكتبتُ وكتبتُ وكتبتُ…

صغيرة العائلة أنتِ بحسب إخراج القيد العائلي، ولكنَّ صليبك كان الأكبر على مرِّ السنوات! كبرتِ وبرعتِ فدخلتِ معهد التَّمريض في جامعة الرُّوح القدس – الكسليك ونلتِ TS في العلوم التَّمريضيَّة، قبل أن تبدأ مسيرتك المهنيَّة في مستشفى سيِّدة المعونات في جبيل، والَّتي شارفتِ على إطفاء شمعة عام عملك الثَّلاثين فيها.

ويلات الحرب شاهدتِ… آلاف الجرحى داويتِ، فكنت مغوارة تصعدين إلى الآليَّات العسكريَّة لتفصلي الجثث عن الجرحى، وتهرعي بمن لا يزال نبضه حيًّا إلى غرفة الطوارئ لتضخي الحياة في شرايينه! مغوارة أنت عندما زحفت ليلًا، في ظلِّ القنص والترهيب، لتأتي بعلب الحليب وتطعمي الأطفال الرضَّع الجياع في جناح المستشفى الغارق في العتم، فوضع أحدهم الكلاشين فوق رأسك لأنَّك خالفتِ أوامر عدم التحرُّك!

1994
19 آب 1994

وعلى الرُّغم من مشاغل الأسرة وهمومها، أكملت تحصيلك العلميّ، فنلتِ إجازةً في التَّمريض من جامعة الرُّوح القدس – الكسليك عندما كنتُ في الصفِّ الثَّامن أساسي (Quatrieme)، قبل أن تنالي ماستر في الإدارة الإستشفائيَّة من جامعة العائلة المقدَّسة في البترون، عندما كنتُ في الصف الثَّاني ثانوي. وأذكر كيف رافقتك مرَّة إلى الجامعة، فجلستُ بقربك أستمع إلى أحد الدَّكاترة وأجادله في مسألة نيوتن!

لا أذكر يا أمِّي متى بدأ درب جلجلتك، إذ بدأ قبل أن تفقدي والديك بكثير… فتحتُ عينيَّ على هذه الدُّنيا، وتوأم روحك الَّذي يكبرك بعشرين عامًا، والَّذي صودف أن ولدت يوم عيد ميلاده، يعاني من أمراض أنهكت جسده لأكثر من عشر سنوات! عشر سنوات لم تفارقي خلالها خالو يوسف: صباحًا، ظهرًا، ومساءً! كنتِ الدَّواء والبسمة والممرِّضة والرَّفيقة. وكم كان وقع غيابه صادمًا مفجعًا وقاسيًا! لم يطل الوقت، وبعد ثلاث سنوات، فقدنا عرَّابي و”حبيب قلبي”، خالو شاهين… صدمة ثانية، أشدُّ وقعًا من الأولى، لأنَّ الصَّفعة هذه المرَّة كانت مفاجئة غدَّارة! لم يطل الوقت مرَّة جديدة… عامَين فقط كانا كافيين ليسلبا منكِ سندكِ وحبَّكِ الوهَّاج، خالتو سعدى، بعد صراعٍ خفيٍّ مع المرض، لم تفارقي خلاله الكرسي جنب فراشها!

أرهقتِ الموت ولم يرهقك… كابرتِ بالإيمان وعاندتِ، فشمختِ كأرزة صلبةٍ تعلو على الجراح وتداويها!  

13094274_1143123702393986_3234146202642967053_n

وعلى الرُّغم من معركتك الكبيرة ضدَّ المرض، لم تقصِّري يومًا في واجباتك المنزليَّة، ولا زلتِ حتَّى اليوم تستيقظين من دون منبِّه عند السَّادسة فجرًا لتوقظينني؛ تعرفين أنَّني غاضبة من دون أن أتكلَّم؛ تتذمَّرين من نشاطي الحزبي ومن كثرة الاجتماعات من دون أن تمنعينني؛ تعرفين أنَّني “أفلست” فتزوِّدينني بالموارد الماليَّة؛ تكلِّمينني وأنا في الجامعة لتتأكَّدي من أنَّني تناولتُ الطَّعام… أأُكملُ بعد؟ أأكمل وأقول أنَّ جسدي النَّحيف الّذي ترهقه أحيانًا “البرديَّة”، لا يهدأ إلَّا عندما تنامين بجانبي؟ أأكمل وأقول أنَّني لا أعرف كيفيَّة العيش من دونك في المنزل؟

في الختام، وفي يوم عيدِك، لا أريد إلَّا أن أكون في يومٍ من الأيَّام مثلك… يكفيني فخرًا يا أمِّي أنَّك أمِّي!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: