وتزوَّجتُكِ زواجًا مارونيًّا!

لماذا تعشقين الُّلغة العربيَّة، وهي لغة بالية قديمة؟ لماذا هذا الحبُّ الغريب للغة ماتت وظلَّت كجثَّة ترتعش على أرصفة المجتمع؟ لماذا تزوَّجتها زواجًا مارونيًّا لا حلَّ منه، وأنت مشرقيَّة فينيقيَّة سريانيَّة تؤمنين بالقوميَّة الُّلبنانيَّة حدَّ الذَّوبان بها؟

ما قرأتموه ليس إلَّا نبذة صغيرة عن الأسئلة الَّتي أتعرَّض لها في أيِّ مكان أتواجدُ فيه، لأنَّني عُرِفت بين رفاقي بكتابة النَّثر العادي والنَّثر الشعريّ بالُّلغة العربيَّة الفصحى. ولن أخفيَ عليكم، لا تزال هذه الأسئلة تقضُّ مضجعي مع حلول الَّليل، وترافقني مع كلِّ حرفٍ أكتبه خلال النَّهار. أسئلةٌ كبيرة تحتاج إلى مجلَّدات طويلة لكي أوفيها حقَّها… ولكنَّني، وبمناسبة اليوم العالميّ للغة الأمّ، قرَّرت أن أكتب، ولأوَّل مرَّة، عن تجربتي الشَّخصيَّة مع الُّلغة العربيَّة الَّتي أعتبرها لغتي الأم!

لا أتذكَّر متى بدأت رحلتي مع الُّلغة العربيَّة… جلَّ ما يلمع أمامي من ذكريات هو تهنئة تلقَّيتها عندما كنتُ في الصفِّ السَّادس أساسي (6eme) من دكتور في الجامعة الُّلبنانيَّة، لأنَّني ضبطتُ أواخر الكلمات بشكل صحيح. وكبرتُ وراح حبري يدهش المعلمات الَّلواتي أشعلن فيَّ شغفًا لم أكن أدري بوجوده… أحببتها! منذ الَّلحظة الأولى، أحببتها. أحببتها لأنَّها لم تخذلني يومًا: أعطيتها حبرًا، أعطتني جواهرَ مرَّصعة بكلمات؛ أعطيتها وقتًا للمطالعة، أعطتني ثقافةَ عنادٍ وجبروت وكبرياء؛ أعطيتها دموعًا… أعطتني قصائد مدبوحة تنزف إبداعًا!

%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9

لا والله لا أضخِّم الأمور إن قلت، أنَّ في أوقات حزني كانت قصائد عنترة تقوِّيني وفلسفة جبران تحييني وروائع العقل تغمرني… ومع كلِّ ابتسامة، كانت إبداعات ناسك الشخروب تدهشني وأنامل المتنبي تصعقني! نعم، لقد وجدتُ فيها دفءًا لم أجده في أيِّ مكانٍ آخر، وبديعًا خلَّابًا غرفتُ ولا أزال أغرف من معينه حتَّى هذه الَّلحظة!

سريانيَّة أنا ولبنانيَّة الهوى… ولكن أين المشكلة؟ أوليست اللُّغة العربيَّة ابنة السريانيَّة ولغات أخرى؟ أوليست الَّلهجة الُّلبنانيَّة وليدة الُّلغة العربيَّة؟ إنَّها حلقةٌ واحدة لتسميات متعدِّدة! لم أنكر يومًا أنَّني فُتنت منذ نعومة أظافري بالُّلغة السريانيَّة، وأنا أتعلَّمها اليوم، ولكنَّني لا أقبل أن تقصف الُّلغة العربيَّة بمدافع شعواء لأنَّ البعض اعتبروا أنَّها لغة القوميَّة العربيَّة والدِّين الإسلامي الحنيف. فما لا يعرفه الكثيرون أنَّ معظم الشعراء العرب الَّذين أبدعوا باللغة العربيَّة الفصحى (كامرؤ قيس وحاتم الطَّائي وعنترة بن شدَّاد…) هم مسيحيُّون، وأنَّ سعيد عقل، القوميّ الُّلبناني، قد سكر بالفصحى قبل أن ينادي باللهجة الُّلبنانيَّة! فلنتوقف إذًا لهنيهة من  الزَّمن، ولنراجع حساباتنا الُّلغويَّة!

في الختام، أعايدُك اليوم يا صديقتي، يا أمِّي وسندي! شكرًا، لأنَّك وفيَّة ولا تلسعين كالبشر… شكرًا، لأنَّك تتحملين الشَّتائم بصمتِ الكبر… شكرًا، لأنَّكِ أغنيتِ التراث العالميّ ولا تزالين… والشكر الأكبر، لأنَّكِ حبيبتي!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: