بين حريَّة التَّعبير وحريَّة التِّعتير!

منذ أن نشرنا مقالنا الأخير على موقع “شدَّة” يوم السَّادس عشر من كانون الثَّاني 2017 حول الانحطاط الأخلاقيّ والإعلاميّ الَّذي يقدِّمه برنامج “Take me out… نقشت”، وهو رأيٌ لا زلنا مصرِّين عليه، قامت الدُّنيا ولم تقعد! مقالٌ أشعل مواقع التَّواصل الاجتماعيّ بين مؤيِّد ومعارض، ولكنَّه كان الشَّرارة الَّتي أطلقت ثورةً إعلاميَّة في وزارة الإعلام على يد الوزير الَّذي نجلُّ ونحترم، الأستاذ ملحم الرِّياشي، وهذا ما نفتخر به!

أيٌّها السَّادة، أتعرفون القشَّة الَّتي قصمت ظهر البعير؟ هذه القشَّة عينها تفصل بين حريَّة التَّعبير وحريَّة التِّعتير الَّتي صدَّرها الغرب فاعتمدناها كببغاء خرقاء. اتُّهمنا بالرَّجعيَّة وبالتمسُّك بتقاليد بالية وبالحدِّ من حريَّة المرأة الجنسيَّة. حسنًا! فلننظر معًا ولنضع تحت المجهر هذه الاتِّهامات!

16251130_1379790938727260_1606990728_o
يوم السَّادس عشر من كانون الثَّاني 2017

أوَّلًا، إنَّ الرَّجعيَّة تكمن في تصرُّف الإنسان كمخلوقات أخرى من دون عقلٍ يفكِّر أو إرادةٍ توجِّه، والرَّجعيَّة أيضًا هي بالعودة إلى الوراء، إلى عصر “الفلتان”. فالإنسان إن تطوَّر فهو لأنَّه وضع ضوابط لتصرُّفاته الجانحة: فسنَّ القوانين، ونظَّم المجتمع وأعطى لكلِّ امرءٍ الحريَّة في التصرُّف، شرط أن تكون هذه الحريَّة مسؤولة. بالتالي، إنَّ الرَّجعيَّة يا سادة هي بخرق جميع ما ذكرناه… فقولوا لي إذًا أين الرَّجعيَّة إذا دعينا إلى أن تكون الحريَّة مسؤولة وناضجة إذا صحَّ التَّعبير؟

ثانيًا، تُعتبرُ التَّقاليد والقيم، في أيِّ مجتمعٍ من المجتمعات، إرثًا ثقافيًّا تعترف به أعظم المنظَّمات الدَّولية، كمنظَّمة الأمم المتحدَّة للتربية والعلوم والثَّقافة (الأونيسكو). وكلُّ مجتمعٍ تخلَّى عن هذه التَّقاليد فقد جزءًا لا يتجزَّأ من هويَّته، واسمحوا لي هنا أن أقول أنَّ كل من يعترض على ذلك هو إنسانٌ لم يمرّ قرب مقاعد الجامعة والعلم والثَّقافة!

ثالثًا، نعمل جميعنا اليوم كطالبات جامعيَّات على تعزيز حقِّ المساواة بين المرأة والرَّجل، إلى جانب عدد كبير من منظَّمات المجتمع المدني. ولكن رفع التَّابوهات الجنسيَّة ومناقشتها وتعبير المرأة عن هويَّتها الجنسيَّة ورغباتها بشكلٍ لائقٍ شيء، وأن تُسأل الفتاة عن “كم مرَّة بتلعب في بالنهار” و”كيف بتركبو” شيءٌ آخر تمامًا! نعم، أنا كفتاة اليوم أناقش في جامعتي وفي مجتمعي جميع الأمور ولا أخشى الغوص في أيٍّ منها خوفًا من هويَّتي كفتاة، ولكنَّني لا أقبل، وليجري اتِّهامي بجميع التُّهم، أن تلطَّخ صورة الفتاة بهذه الطَّريقة.

“وإذا مش عاجبك في شي اسمو ريموت كونترول… غيِّر المحطَّة!” عزيزتي المؤسَّسة الُّلبنانيَّة للإرسال (LBCI)، كنت أتمنَّى أن يكون الموضوع بهذه السُّهولة، لكنَّني أعتقد أنَّ إدارتك الكريمة نسيت مبادئ الإعلام وأهدافه السَّامية الكامنة في نقل الصُّورة الجميلة إلى الرَّأي العام والتَّأثير عليه. وأعتقد أيضًا أنَّها نسيت أنَّ قبل وجود الريموت كنترول، وجدت الأخلاق الَّتي إن غابت غابت معها الأمم، وتحوَّلت حريَّة التَّعبير إلى حريَّة التَّعتير! لقد نسيت الإدارة أنَّ الرَّغبات الجنسيَّة حقّ للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، ولكن من السَّفاهة تحويلها إلى عبارات خجلت منها عصابات الشَّوارع. نسيت الإدارة الكريمة أخيرًا أنَّ تسليط الضَّوء على الأسوأ… لا يلغي السيِّء!

رح نحمل الريموت كنترول وتأكّدو إنُّو رح يكون وقعا مدوِّي!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: